بين الألف والياء.. أطفالٌ لم يعرفوا المدرسة إلا "مركز إيواء"!

أطفال غزة
أطفال غزة

غزة/ البوابة 24- أحلام عبد القادر:

"الحرب دمّرتنا"، قالها طفلٌ لا يتجاوز من العمر ستة، لكنه يحمل بين كلماته ما يكفي لوصف أثر الحرب الإسرائيلية المستعرة على قطاع غزة، والمتواصلة منذ ما يقرب عامين.

لم تترك هذه الحرب مساحة من الطفولة إلا وداستها، وليد رائد المريدي، ابن الستة أعوام، مرّ بتجارب قاسية منذ اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، حين أُجبر مع أسرته المكوّنة من سبعة أفراد على النزوح من منزلهم في مدينة غزة نحو الجنوب، ورأى بأم عينه كيف أصيب والده برصاصةٍ أقعدته عن الحركة، أثناء محاولته الحصول على طعام لعائلته الجائعة.

كان وليد، حين اندلاع الحرب، طالبًا في صف البستان، يصفه معلموه بأنه "مجتهد، ونشيط". يقول لـ"البوابة 24": "كنت أحلم أن أصبح طبيبًا، لكن الحرب دمرت أحلامنا ومدارسنا ومنازلنا".

منزل وليد لم يعد موجودًا. كل ما بقي منه هو الركام الممتزج بذكرياته الصغيرة. تعيش العائلة اليوم في خيمة بمدينة دير البلح وسط القطاع، بعد نزوحهم من خان يونس جنوبًا نتيجة الإنذارات الإسرائيلية بالإخلاء.

"أبي أصبح مشلولًا، ومنزلنا مدمر، ولا توجد مدارس أو تعليم.. فكيف سأصبح طبيبًا؟" يتساءل وليد، وقد بدا أن الحرب أضافت أعوامًا إلى عمره. "نفكر الآن في الماء والطعام أكثر من التفكير في التعليم أو حتى حياتنا".

قبل نزوحه من خان يونس بشهرين، كان وليد قد التحق بـ"مدرسة أحلام غزة النموذجية"، وهي مبادرة خيرية من خيام تشرف عليها المعلمة أحلام عبد العاطي، لتوفير بيئة تعليمية بديلة للأطفال. لكن إصابة والده والنزوح مجددًا قلبا حياة الطفل رأسًا على عقب.

دُمرت هذه المدرسة لاحقًا عندما اجتاحت قوات الاحتلال منطقة النمساوي جنوب غربي خان يونس. تقول عبد العاطي للبوابة 24: "كان لدينا نحو ألف طالب وطالبة من مختلف الأعمار، خاصة من مرحلة الروضة والتعليم الأساسي، وهي الفئة الأكثر تأثرًا بالحرب نفسيًا وتعليميًا. تشتت الطلاب بعد النزوح وتدمير المدرسة".

لا يستطيعون تمييز الحروف والأرقام

سيلفيا عبد العاطي (7 أعوام)، كانت من طالبات هذه المدرسة، وتقول: "كانت آخر أملنا في التعليم".

تعاني سيلفيا من صعوبة في القراءة والكتابة، وكانت قد بدأت الصف الأول الابتدائي عند اندلاع الحرب، وتعرضت للنزوح عدة مرات. تحلم اليوم أن تصبح مهندسة معمارية "كي أساعد في بناء غزة من جديد".

من خلال معايشتها اليومية، تصف أحلام عبد العاطي واقع الأطفال بأنه "سيء جدًا"، وتقول: "الكثير من الأطفال لا يستطيعون تمييز الحروف أو الأرقام، ولا يعرفون القراءة أو الكتابة. المعرفة لديهم صفرية، والحرب ونزوحها ومجاعتها شغلت تفكيرهم بالكامل بالنجاة وتأمين الطعام والماء، حتى بات الأطفال يتحملون مسؤوليات كبيرة لتوفير احتياجات أسرهم".

وتضيف: "الحرب دمرت بيئة التعليم من أمان واستقرار ومدارس، وأثرت على التحصيل العلمي لغالبية طلبة غزة، ورفعت نسبة الجهل وقلة الوعي. أبرز آثارها: ضعف التركيز والذاكرة، وتشتت الانتباه، خصوصًا لدى من فقدوا أحد الوالدين أو كليهما، وتعرضوا لأذى نفسي شديد. يمكن القول إنه لا يوجد طفل سليم تمامًا نفسيًا أو جسديًا في غزة".

في الفترة بين افتتاح المدرسة في فبراير/ شباط وحتى تدميرها، مرّت عبد العاطي بحالات مؤثرة. من بين هذه الحالات، الشقيقان مهدي محمد أبو جراد (6 أعوام) وشقيقته ملك (13 عامًا)، اللذان شهدا استشهاد والديهما في مجزرة "المعمداني" بداية الإبادة. كان مهدي في حضن أمه عندما أصابتها القذيفة، وشاهدها تلفظ أنفاسها الأخيرة. تدهورت حالته النفسية والجسدية، وأصبح يعاني من التشتت والعزلة.

أحضرته زوجة عمه، التي تتكفل بتربيته، إلى المدرسة. وبمساعدة الأخصائية الاجتماعية والنفسية، وبذل جهد مضاعف من عبد العاطي، بدأ مهدي بالتفاعل والاندماج، وتحسنت قدرته على الاستيعاب والمشاركة.

عبد الله إبراهيم أبو طبيخ (12 عامًا) حالة أخرى. فقد والدته في حرب 2014م، ثم والده في الحرب الجارية. أصبح حساسًا بشدة عند ذكر والديه، وينخرط في بكاء مرير. "أثر هذا سلبًا على مستواه التعليمي، لكنه ذكي ومتميز، ولقبناه بالمعلم الصغير. كانت معلمته تعزز ثقته بنفسه بتكليفه بشرح الدروس"، تروي عبد العاطي.

أما استدراك التعليم في حال توقف الحرب، فترى عبد العاطي أنه ممكن، لكنه يحتاج إلى فترة من الاستقرار، ونظام دعم نفسي وصحي قبل العودة للتعليم المباشر، خاصة بعد التراجع الكبير في المستوى التعليمي. التعليم الإلكتروني ودمج موسمين دراسيين لم يكونا كافيين لتعويض الفاقد.

مرحلة "التكوين المدرسي المبكر"

ومن زاوية علم النفس، تؤكد أستاذة الصحة النفسية في جامعة الأقصى، الدكتورة آمنة حمد، أن المرحلة بين 6 و8 سنوات هي الأكثر حساسية في النمو النفسي، وتُعرف بمرحلة التكوين المدرسي المبكر. المدرسة في هذه المرحلة لا تؤدي دورًا أكاديميًا فحسب، بل هي بيئة نفسية واجتماعية حاضنة.

عند فقدان هذه البيئة -تقول حمد- لا يقتصر الأثر على الجانب التعليمي، بل يمتد لتأثيرات نفسية عميقة وطويلة الأمد، "يفقد الطفل الإحساس بالروتين، والاستقرار، والانتماء، والتفاعل مع أقرانه ومعلمي القدوة. وهذا يؤثر على نضجه العاطفي والاجتماعي".

وتظهر هذه الآثار في سلوكيات مثل فرط النشاط، نوبات الغضب، الانسحاب الاجتماعي أو التعلق المفرط بالأهل، ومقاومة التعلم. نفسيًا، يعاني الأطفال من اضطرابات نوم وقلق مزمن وأعراض اكتئاب كفقدان المتعة وقلة التركيز والانعزال.

وتختم حمد: "في ظل هذا الواقع، لا يمكن اعتبار التعليم خدمة يمكن تأجيلها. هو حاجة إنسانية ونفسية ملحة، وخط دفاع أول في الحفاظ على السلامة النفسية للأطفال، ومنحهم القدرة على التماسك في وجه الانهيار".

البوابة 24