غزة/ البوابة 24- ملاك أبو عودة
من بين ركام البيوت المحطمة ورائحة البارود العالقة في الأزقة الضيقة، لا تخرج فقط صور الدمار والموت، بل وجوه مشوهة حملت بصمة أوجاع الحرب واحتفظت بملامح جديدة صنعها الحرق والقصف. في مدينة محاصرة كغزة، حيث الوجه هو مرآة الإنسان وهويته الأولى أمام العالم، تبدو التشوهات كوصمة إضافية تزيد الجرح عمقًا.
الوجه.. بطاقة هوية محطمة
الوجه ليس مجرد ملامح عابرة، بل هو مرآة الروح وصوتها الصامت. به نتواصل، نبتسم، نعبر عن الغضب والحزن والحب. وعندما يحترق الوجه أو يتمزق بفعل قذيفة أو شظية، فإن الضربة لا تكون جسدية فقط، بل نفسية واجتماعية تضرب في العمق.
الحرب على غزة تركت خلفها مئات الحالات من التشوهات الوجهية، غالبيتها لنساء وأطفال، ضحايا لم يختاروا أن يكونوا جزءًا من ساحة حرب، لكن أجسادهم الصغيرة ووجوههم الغضة حملت بصمة القصف.
أم عدي.. أربعينية تبحث عن وجهها
"لم أعد أعرف نفسي في المرآة"، بهذه الكلمات تختصر السيدة اكرام نصر "أم عدي" من مدينة رفح ونازحة في مواصي خانيونس معاناتها بعدما تعرض منزلها للحريق إثر قصف مباشر. لم يبقَ من ملامحها سوى بقايا محروقة تحاول إخفاءها خلف حجاب أسود.
تقول بصوت متهدج: "أشعر أنني فقدت حياتي كلها، ليس فقط وجهي. أبنائي يخافون من النظر إلي، أهرب من صورتي في المرايا، وأشعر أن المجتمع ينظر إليّ بشفقة أو خوف."
حياة أم عدي اليوم هي معركة يومية مع الألم، ليس ألم الجسد فقط، بل ألم العزلة والانكسار النفسي. فهي لم تعد قادرة على الخروج إلى السوق أو زيارة الأقارب كما كانت تفعل من قبل، وكأن القصف صادر منها حقها في أن تكون مرئية كما هي.
مريم.. طفلة فقدت براءة الوجه
في زاوية أخرى من غزة، كانت الطفلة مريم إبراهيم (12 عامًا) تستعد للاستحمام حين اخترق صاروخ جدار بيتها وتسبب في سقوط السقف عليها. جمجمتها انكسرت وتشوه رأسها بالكامل.
تصف والدتها اللحظة قائلة: "سمعت صراخها حملتها بين يدي، والدم يغطي وجهها الصغير. كانت تنظر إليّ بعينين مرتعشتين، تسألني: ماما، ليش أنا!!
اليوم، مريم تعيش خلف جدران صامتة. لم تعد تذهب إلى أي مكان وترفض المشاركة في الأنشطة التي كانت تحبها. نظرات الأطفال الآخرين المليئة بالاستغراب أو الخوف صارت كفيلة بإغلاقها على نفسها.
سند.. رضيع فقد ملامحه قبل أن يعرفها
لم يبلغ الطفل سند صالح عامه الثالث بعد، لكنه يحمل وجهًا محروقًا بالكامل وندوبًا على يديه وقدميه بعد أن استُهدفت خيمة بجوار خيمة عائلته. كان وقتها يرضع في حضن والدته، التي أُصيبت إصابات بالغة ونقلت إلى العناية المركزة.
بكى سند طويلًا، لكن لم يكن قادرًا على التعبير عن ألمه سوى بصراخ متقطع. في غرفة العناية كان يهدأ أحيانًا فقط تحت تأثير إبر المورفين. يقول والده:"كان يريد أن يرضع ولا يستطيع، توقف عن الكلام وعن الأكل لشهر ونصف، كأن الحرب أطفأت طفولته قبل أن تبدأ.
والده هو من تولى العناية به، محاولًا تدريجيًا أن يعيده إلى الطعام والكلام. ومع مرور الوقت بدأ سند ينطق بعض الكلمات، لكنه لم يعد كما كان.
يضيف والده: "سند يتعرض للتنمر كثيرًا. عندما يضع القناع الطبي الخاص بالعلاج يبتعد عن الأطفال الآخرين، ويجلس وحيدًا في الزاوية حزينًا. أشعر أن الحرب سرقت منه طفولته وأخذت منه حقه في الضحك واللعب."
وتخشى عائلته اليوم من المستقبل أكثر من الحاضر، إذ يتساءل والده: "هو الآن صغير ولا يفهم، لكن ماذا سيحدث عندما يكبر وينظر في المرآة؟ كيف سيتعايش مع وجهه المشوه ونظرات الناس؟!
قصة سند تفتح جرحًا آخر: أن الحرب لا تقتل فقط ، بل تسوق فرصةً الأطفال في ان يكبروا بملامح طبيعية وهوية واضحة .
الصدمة النفسية أكبر من الجرح
الأطباء في غزة يؤكدون أن التحدي الأكبر ليس فقط علاج التشوهات الجسدية، بل ترميم الروح المنكسرة خلفها. فالعلاج التجميلي يحتاج تقنيات وإمكانات غير متوفرة تحت الحصار، بينما الدعم النفسي يكاد يكون معدومًا في ظل الأزمات المتلاحقة.
وتوضح الطبيبة بثينة جبر ، المختصة في الطب النفسي، أن آثار التشوهات الوجهية تترك ندوبًا أعمق بكثير من الجروح الظاهرة:
"الوجه هو هوية الإنسان، وعندما يفقد المرء ملامحه الطبيعية يشعر وكأنه فقد نفسه. النساء بشكل خاص يعانين من فقدان الثقة بالنفس والإحساس بالوصمة الاجتماعية، بينما الأطفال يعيشون صدمات متكررة تتمثل في الكوابيس واضطرابات النوم والخوف من مواجهة الآخرين."
وتضيف جبر أن غياب مراكز الدعم النفسي في غزة يضاعف من معاناة المصابين: "نحن نتعامل مع ضحايا ليسوا بحاجة إلى جراحة فقط، بل إلى إعادة بناء صورة ذواتهم الداخلية. وهذا الأمر يحتاج برامج طويلة المدى من الدعم النفسي والاجتماعي، وهو ما نفتقده بشدة تحت ظروف الحصار والقصف المستمر."
ما بعد الحرب.. رحلة علاج طويلة
معظم هؤلاء الضحايا بحاجة إلى عمليات جراحية معقدة قد تمتد لسنوات. لكن في غزة، حيث المستشفيات تعاني نقصًا في الأدوية والمعدات، يظل الأمل في التعافي ضعيفًا. بعض الحالات تحتاج إلى السفر للعلاج بالخارج، وهو أمر شبه مستحيل في ظل إغلاق المعابر.
في النهاية، وجه أم عدي ومريم ويوسف ليست مجرد حالات فردية، بل قصص تختصر وجع غزة كله. وجوه مشوهة لكنها شاهدة على جريمة لا تُمحى. ومع كل ندبة على الوجه، هناك ندبة أعمق على الروح، تروي حكاية صمود شعب يُحاصر بالنار لكنه لا يتوقف عن التشبث بالحياة.