"افرغ كأسك" .. من يعالج المعالجين النفسيين في غزة؟

من يعالج المعالج
من يعالج المعالج

غزة/ البوابة 24- أحلام عبد القادر

"افرغ كأسك" هو أحد التمارين النفسية التي تلجأ إليها مديرة الصحة النفسية في جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني الدكتورة نيفين عبد الهادي، للتخلص من الضغوط النفسية التي تصيبها وزميلاتها وزملائها في الميدان، سواء بسبب التعرض المباشر لصدمات ناجمة عن الواقع المأساوي في قطاع غزة، إثر تداعيات الحرب الإسرائيلية، أو تأثرا بالحالات التي يتعاملون معها.

الاخصائي النفسي أو المعالج النفسي هو إنسان كباقي البشر يشعر ويتألم، وتقول عبد الهادي للبوابة 24: "في ظل الحرب الأليمة على غزة شعر الاخصائي أو المعالج بضغوط كثيرة وعاش حالات من الحرمان والفقد مثله مثل أي شخص في المجتمع الفلسطيني حيث هدم بيته وقتل أفراد من أسرته وأحبائه، وعاش حالات النزوح المريرة، ولكن في كل مرة كان حاضرا في تقديم الخدمات النفسية لأفراد شعبه في ظل الازمات والحروب".

بين الأسرة والميدان

نيفين هي أم لأربعة أطفال، تعرضت منذ بداية حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول من العام 2023، لقصف وتدمير منزلها، وتقول: الحرب تركت علي وأسرتي آثارها الكارثية كما كل سكان قطاع غزة، وأجبرت على النزوح 11 مرة من مكان الي آخر، وفي كل نزوح كنت أشعر بالضيق والتوتر.
وما يعمق من مأساة نيفين أنها كانت إلى جانب مسؤوليتها عن أسرتها وأطفالها، تتحمل مسؤولية 140 متطوع وكادرة في فريقها، وتشير إلى صراعها اليومي ومحاولتها الحثيثة والصعبة كي توازن بين العمل وأسرتها.

كانت نيفين تضطر إلى ترك أطفالها في خيمة كالفرن من شدة الحرارة صيفا، وشديدة البرودة شتاء، وتنزل للميدان للقيام بمسؤولياتها المهنية كمسؤولة عن الفريق، وتعمل لوقت طويل في أجواء من الخوف، تقدم الدعم النفسي للنازحين، وجلهم من النساء والأطفال.
تقول نيفين: "كان علينا أن لا نتوقف عن تقديم الخدمة النفسية للاحتياج الشديد لها في ظل استمرار الحرب، وفي ليال طويلة كان يصعب علي النوم، استشعارا بالمسؤولية المهنية والإنسانية العظيمة، إضافة إلى واجبي كزوجة عليها مسؤوليات تجاه أسرتها وأطفالها، وعلي أن أوفر لهم الحماية والأمان ومتطلبات الحياة الأساسية".

"لم يكن الأمر سهلا، ولكن أمدني الله بالعزيمة والإصرار كي أكون قوية أمام نفسي بكل الطرق التي تعلمتها لإساند نفسي أولا حتي أستطيع مساندة الاخرين، وكنت أستمد القوة من نزولي للعمل الذي لم يتوقف منذ بداية الحرب حتي الان، ونحرص كفريق عمل أن ندعم بعضنا بعضا في كل الازمات والمواقف الصعبة"، تضيف مديرة الصحة النفسية بجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني.

العلاج النفسي بالحديث

وعند عودة نيفين من العمل كانت تحرص على الحديث مع زوجها وأبنائها، وتشركهم فيما أنجزت طوال اليوم كنوع من التفريغ، وكذلك تفعل مع والديها، وتتحدث إليهما باستمرار وبشكل عام عن الأوضاع الميدانية والإنسانية، وتستمع الي مخاوفهم.

كان وقع الحرب وأثرها شديدا على نيفين ومحيطها العائلي، حيث فقد جميع أشقائها وشقيقاتها منازلهم، وعاشوا تجارب النزوح القاسية، ومعايشتها لمعاناتهم كانت تشكل عليها ضغطا إضافيا، الأمر الذي رأت أنه يستدعي التفريغ النفسي أولا بأول عبر الحديث وتبادل التجارب والهموم.

وكمتخصص نفسي، توضع نيفين: تعتمد الطريقة التي يتفاعل بها الفرد مع الألم النفسي على عدة عوامل من أجل تقديم المساعدة النفسية للأشخاص الذين يعانون من الآلام النفسية، ويمكن للأخصائي النفسي استخدام عدة آليات للتفريغ مثل الاستماع الفعال، وتقنيات التنفس العميق، والعلاج الحديث مثل العلاج السلوكي المعرفي أو العلاج بالحديث.
وبرأيها تعتمد هذه الآليات على الوضع الفردي لكل شخص، ويمكن تعديلها وفقا لاحتياجاتهم الخاصة، ويهدف الهدف النهائي لهذه الآليات لتوفير الدعم اللازم للأفراد الذين يعانون من الآلام النفسية وتوجيههم نحو الشفاء والتعافي النفسي.

وما يفيد الاختصاصي النفسي في وقت الأزمات والطوارئ والحروب أنه درب على كيفية التعامل مع الضغوط النفسية والالم النفسي ليستطيع أن يساعد الاخرين حيث خضع لتدريبات في التفريغ ليساعد نفسه، بحسب نيفين.

افرغ كأسك

وفي دائرة الصحة النفسية بجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني تشير نيفين إلى وجود قرابة 120 متطوع من الاخصائيين النفسيين والاجتماعيين، وكانوا حاضرين في كل الازمات والحروب على غزة، وتقول: "نقوم بالدائرة بجلسات تفريغ نفسي بعد كل عمل ميداني للمجتمع، حيث تقوم الفرق الميدانية بالنزول الميداني والاستماع الي الجروج النفسية للاشخاص المتعرضين للازمات والناجين من الحروب، وبعد انتهاء النشاط يقوم المشرف الفني بعقد اجتماع اشرافي للفريق ويستمع لهم والتفريغ عنهم، ومن ثم يقوم المشرف بالجلوس مع مشرف آخر للاستماع اليه والتفريغ النفسي".

ومن بين إجراءات التفريغ النفسي عن الإخصائيين والاخصائيات العاملين في العلاج النفسي، توضع نيفين: نقوم بتعزيز الرعاية الذاتية وعمل جلسات اشرافية للاخصائيين وعمل جلسات استرخاء، وعمل تمارين نفسية لهم على قاعدة "افرغ كأسك" حتي يعود إلى بيته وهو يشعر بالارتياح.

وتشير نيفين إلى أنها تعقد اجتماعات دورية للرعاية الذاتية لفريق الاخصائيين، وتتحدث معهم، بهدف التفريغ النفسي، وعلاجهم مما يعلق بنفسياتهم خلال عملهم الميداني وتعاملهم مع الحالات والمراجعين.

تجارب مؤلمة

هند أبو نجيلة أخصائية نفسية عملت خلال الحرب ميدانيا في مجال الدعم النفسي لنازحين في 30 مركز نزوح، وتعاملت كذلك مع ما يقارب 5 آلاف حالة في جلسات فردية، وتقول للبوابة 24: لا يوجد فئة لم تنل منها الحرب سواء جسديا أو نفسيا، ولا تزال تداعيات الحرب وآثارها مستمرة.

لكن أبو نجيلة تعتقد أن الأثر النفسي للحرب متفاوت من فئة أو أخرى ومن شخص إلى آخر، وتقول إن النساء هن الأكثر تضررا من الحرب، فهي زوجة الرجل الذي يعاني من ضغوط نفسية، وهي أم الأطفال، وتتحمل مسؤولية كبيرة في ظل واقع مرير، حيث العنف المركب في مجتمع تحكمه العادات والتقاليد، علاوة على عنف الحرب.

لم تنزح أبو نجيلة لجنوب القطاع ولم تغادر مدينة غزة بالمطلق، وآثرت الصمود في وجه كل التهديدات، وقد خاضت تجربة النزوح المريرة داخليا قرابة 14 مرة بمفردها، حيث والدتها وأشقائها مسافرين خارج القطاع، وتقول إن "المعاناة كانت أشد وقعا كوني وحيدة".
ذاقت أبو نجيلة مرارة الفقد في مرحلة مبكرة من حياتها، عندما توفي والدها، وهو ما يجعلها قادرة على استشعار آلام الفقد عند الأخرين، الذين يفقدون الاحتضان والملاذ الآمن.

خلال عامين من الحرب استمعت أبو نجيلة إلى آلاف قصص وحكايات الألم التي لا تحتمل، وتقول إن الاخصائي النفسي إنسان ويتأثر بما يسمع ويشاهد، حيث يعيش تجارب الآخرين القاسية، فالمختص المهني في هذا المجال يستمع بكل حواسه للحالة ويشعر بها.

وإضافة إلى تجارب الآخرين، مررنا بأنفسنا بتجارب الفقد والخوف والتدمير، وأبو نجيلة نفسها خسرت منزلها الذي دمره الاحتلال كليا، علاوة على خسارة عملها كمحاضرة جامعية في جامعة غزة، حيث كانت على موعد في تجديد عقدها عندما اندلعت الحرب، وتسببت في تعطيل الحياة التعليمية.

وكيف تتخلصي كإخصائية نفسية من الضغوط والصدمات؟، تجيب أبو نجيلة: نعالج أنفسنا باجتماعات أسبوعية نلتقي خلالها كإخصائيين نفسيين ونستمع لهموم بعضنا البعض، ونحاول دعم أنفسنا نفسيا.

البوابة 24