الفخار الغزّي.. إرث الأجداد يصارع للبقاء في زمن الحرب

صناعة الفخار بغزة
صناعة الفخار بغزة

غزة/ البوابة 24- صفاء كمال:

في قلب مدينة غزة، وتحديدًا في حي الدرج، يقف أحمد عطالله أمام ورشته التي كانت يومًا ما تضج بالحياة والإنتاج. قبل الحرب، كان يعتمد على الكهرباء ذات الثلاث فازات لتشغيل معداته، الأمر الذي مكّنه من إنجاز العمل بسرعة وكفاءة. لكن مع اندلاع الحرب تغيّر المشهد كليًا؛ انقطعت الكهرباء، تعطلت البنية التحتية، وغابت الخدمات الأساسية.

يقول عطالله إن أسعار المعدات ارتفعت بشكل مضاعف، بينما الطلب على منتجاته يفوق بكثير قدرته على الإنتاج، إذ لا يستطيع توفير سوى عشرين قطعة من أصل مئة مطلوبة. أما المادة الأساسية، وهي الطين، فتوجد في مناطق مصنفة "حمراء" تحت السيطرة الإسرائيلية، ما يهدد توقف عمله خلال أشهر قليلة. ويضيف أنه لم يعد قادرًا على إصلاح ورشته أو شراء المعدات اللازمة، بعدما كان في الماضي قادرًا على تجهيز محل كامل خلال شهر واحد فقط.

احمد عطاالله.jpg

محمد الزيتونية، صانع فخار آخر، يصف واقعًا أكثر قسوة؛ إذ يؤكد أنهم عادوا للعمل كما كان يفعل الأجداد، بلا كهرباء ولا آلات. فالفاخورة مدمرة، والآلة التي كانت تنجز العمل في نصف ساعة توقفت، ليصبح إنجازه اليوم بحاجة إلى يومين كاملين من الجهد اليدوي.

 وتابع أنهم يدوسون الطين بأيديهم وأرجلهم، في محاولة للحفاظ على المهنة من الانقراض. ومع ذلك، فإن الإنتاج تراجع إلى 30% مما كان عليه قبل الحرب، غير أن الطلب على منتجاتهم ارتفع، لأن الناس فقدوا الكثير من ممتلكاتهم ويضطرون إلى شراء البدائل.

فخار.jpg

صناعة الفخار بغزة.jpg
 

احصائيات رسمية

هذه الشهادات الفردية تعكس صورة أوسع من الدمار الذي لحق بقطاع غزة. فبحسب المكتب الإعلامي الحكومي، بلغت الخسائر الأولية المباشرة أكثر من 70 مليار دولار موزعة على 15 قطاعًا حيويًا. فقد تكبد قطاع الصحة خسائر تقدر بـ5 مليارات دولار، والتعليم 4 مليارات، فيما بلغت خسائر الإسكان وحده 25 مليار دولار. أما القطاع الصناعي فقد خسر 4 مليارات، والتجاري 4.5 مليارات، والزراعي 2.8 مليار، إضافة إلى خسائر كبيرة في الاتصالات، الكهرباء، النقل، والخدمات البلدية.

وعلى مستوى البنية التحتية، تعرضت غزة لدمار واسع؛ إذ دُمرت آلاف الكيلومترات من شبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي بالكامل، إلى جانب مئات المقرات الحكومية والمنشآت الرياضية والمواقع الأثرية. كما فقد القطاع الزراعي أكثر من 94% من أراضيه المزروعة، وتضررت الثروة السمكية بنسبة 100%.

بين شهادات الحرفيين وأرقام الخسائر الرسمية، يتضح أن صناعة الفخار في غزة ليست مجرد مهنة تقليدية، بل رمز للصمود الثقافي والاقتصادي. ومع ذلك، فإن استمرارها بات مهددًا بفعل الحرب وغياب المواد الخام والبنية التحتية. إن الحفاظ على هذه المهنة يتطلب دعمًا عاجلًا، ليس فقط لإنقاذ مصدر رزق محدود، بل لحماية جزء من الهوية الفلسطينية من الاندثار.

Untitled.jpg
 

البوابة 24