مع دخول اتفاق وقف إطلاق النار في غزة مرحلته الثانية، بدأت ملامح إدارة دولية–إقليمية تتشكل على نحو عملي، بعد إعلان البيت الأبيض اعتماد حزمة من الهياكل السياسية والإدارية والأمنية لإدارة المرحلة الانتقالية في القطاع، في إطار الخطة التي تبناها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإنهاء الحرب.
وتستند هذه الترتيبات إلى قرار مجلس الأمن رقم 2803 الصادر في 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، والذي أقر خطة من 20 بندًا، وحدد أطرًا مؤقتة لإدارة غزة إلى حين استعادة السلطة الفلسطينية سيطرتها وفق معايير إصلاحية محددة.
وبينما كان القرار الأممي ينص في بدايته على ثلاثة أطر فقط، أعلن البيت الأبيض مساء الجمعة إضافة هيكل رابع، ما وسّع منظومة الإدارة الانتقالية لتشمل أربعة كيانات متداخلة الصلاحيات.
مجلس السلام: المرجعية السياسية والمالية
يتصدر “مجلس السلام” هذه المنظومة بوصفه الجهة الدولية الأعلى المشرفة على المرحلة الانتقالية، حيث أسندت رئاسته إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مع تشكيل مجلس تنفيذي تأسيسي يضم شخصيات سياسية واقتصادية ودبلوماسية بارزة.
ويشارك في هذا المجلس وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، إلى جانب رجل الأعمال مارك روان، ورئيس البنك الدولي أجاي بانغا، والمستشار السياسي روبرت غابرييل.
وتتوزع مهام الأعضاء على ملفات تتعلق بالحوكمة، وإعادة الإعمار، والتنمية الاقتصادية، والعلاقات الإقليمية، وجذب الاستثمارات، في محاولة لبناء إطار استقرار طويل الأمد في غزة.
ووفق قرار مجلس الأمن، يتمتع مجلس السلام بشخصية قانونية دولية، ويُخوَّل بتنسيق التمويل وإنشاء كيانات تشغيلية، والإشراف على حكومة انتقالية، ودعم لجنة فلسطينية غير سياسية، إلى أن تُستكمل إصلاحات السلطة الفلسطينية وتصبح قادرة على استعادة السيطرة على القطاع.
المجلس التنفيذي لغزة: إدارة متعددة الجنسيات
في تطور لافت، أعلن البيت الأبيض استحداث “المجلس التنفيذي لغزة” ليكون منصة تنفيذية موسعة تضم أطرافًا دولية وإقليمية، وتُعنى بالجوانب العملية للحوكمة والخدمات.
ويضم المجلس شخصيات من المجلس التنفيذي التأسيسي، إلى جانب ممثلين عن تركيا والإمارات وقطر ومصر، فضلًا عن المبعوث الأممي السابق نيكولاي ملادينوف، والسياسية الهولندية سيغريد كاغ، ورجل الأعمال ياكير غاباي.
وسيتولى ملادينوف مهام “الممثل الأعلى لغزة”، بما يشمل التنسيق الميداني بين مجلس السلام واللجنة الوطنية لإدارة غزة، والإشراف على التفاعل بين المسارات المدنية والأمنية.
وأشار البيت الأبيض إلى أن تشكيلة المجلس لا تزال مفتوحة، مع توقع الإعلان عن أعضاء إضافيين خلال الفترة المقبلة.
اللجنة الوطنية لإدارة غزة: واجهة الإدارة الفلسطينية
على المستوى المحلي، أُنيطت إدارة الشؤون اليومية داخل القطاع بلجنة فلسطينية غير سياسية، حملت اسم “اللجنة الوطنية لإدارة غزة”، ويرأسها نائب وزير التخطيط الفلسطيني الأسبق علي شعث.
وتُكلّف اللجنة بإعادة تشغيل الخدمات العامة، وترميم المؤسسات المدنية، وضمان الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي، إلى جانب وضع أسس حوكمة طويلة الأمد.
وبحسب القرار الأممي، تتكون اللجنة من 15 شخصية فلسطينية، وتُعنى بملفات حيوية تشمل الصحة والتعليم والاقتصاد والمالية والمياه والزراعة والشؤون الاجتماعية، إضافة إلى الشرطة والأمن.
ورغم عدم بدء عملها ميدانيًا داخل غزة حتى الآن، أكدت حركة حماس استعدادها لتسهيل مهام اللجنة، فيما أعلن شعث أن اللجنة باشرت أعمالها رسميًا من القاهرة، تمهيدًا للانتقال إلى القطاع وتنفيذ خطة إغاثة عاجلة.
قوة الاستقرار الدولية: تثبيت الأمن ونزع السلاح
يشكّل البعد الأمني الركيزة الرابعة في خطة إدارة المرحلة الانتقالية، مع إعلان البيت الأبيض تعيين الجنرال الأمريكي جاسبر جيفرز قائدًا لقوة الاستقرار الدولية في غزة.
وتُكلّف هذه القوة بقيادة العمليات الأمنية، ودعم نزع السلاح، وتأمين المساعدات الإنسانية، وحماية الممرات الإنسانية، إلى جانب مراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار.
ورغم عدم الإعلان رسميًا عن الدول المشاركة، تشير تقارير إعلامية إلى مشاورات أمريكية مع عدة دول للمساهمة في هذه القوة، التي أقرها مجلس الأمن كقوة دولية مؤقتة تعمل وفق القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني.
وتأتي هذه الترتيبات في أعقاب حرب مدمّرة شنتها إسرائيل على غزة منذ 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وأسفرت عن أكثر من 71 ألف شهيد، ونحو 171 ألف مصاب، ودمار طال قرابة 90 بالمئة من البنية التحتية، فيما قدّرت الأمم المتحدة كلفة إعادة الإعمار بنحو 70 مليار دولار.
