حركة فتح ما بعد المؤتمر: رهانات التجديد وتحديات المرحلة

بقلم:د. منصور أبو كريّم

باحث في الشؤون السياسية

رغم أن حركة فتح لا تُعرف تاريخيًا بصلابة بنيتها التنظيمية أو بانضباطها الداخلي مقارنة بحركات سياسية أخرى، إلا أنها أثبتت، مرة بعد أخرى، امتلاكها قدرة استثنائية على تجاوز الأزمات واستعادة حيويتها السياسية والتنظيمية. هذه السمة ربما تشكل أحد أهم أسرار بقاء الحركة في مركز المشهد الفلسطيني، رغم كل ما تعرضت له من انقسامات وتحديات وتحولات إقليمية ودولية عميقة.

انعقاد المؤتمر الثامن للحركة بشكل متزامن في رام الله وغزة والقاهرة وبيروت خلال الفترة من 14-16 مايو 2025، وفي ظل ظروف فلسطينية وإقليمية بالغة التعقيد، يحمل دلالات سياسية وتنظيمية مهمة. فالمؤتمر لم يكن مجرد استحقاق داخلي اعتيادي، بل جاء في لحظة مفصلية يعيش فيها المشروع الوطني الفلسطيني واحدة من أكثر مراحله صعوبة، في ظل حرب الإبادة المستمرة على قطاع غزة، وتصاعد الاستيطان، وتآكل فرص التسوية السياسية، واستمرار الانقسام الفلسطيني.

ورغم التعقيدات اللوجستية الهائلة، خاصة في قطاع غزة وما يعيشه من حرب وحصار ودمار وانقطاع في سبل التواصل والحركة، فإن نجاح الحركة في عقد المؤتمر وإتمام العملية الانتخابية في أكثر من ساحة جغرافية يُحسب لها تنظيميًا وسياسيًا. كما أن أجواء الانتخابات الداخلية وما رافقها من تنافس واضح وإعلان للنتائج عكست مستوى مقبولًا من الشفافية والنزاهة، وهو أمر مهم في ظل حالة التآكل التي أصابت الحياة السياسية الفلسطينية عمومًا. وقد شكّل نجاح المؤتمر، رغم الظروف الاستثنائية، رسالة بأن الحركة ما تزال قادرة على الحفاظ على حد أدنى من التماسك المؤسسي وإدارة استحقاقاتها الداخلية حتى في أصعب الظروف.

ما يلفت الانتباه في المؤتمر ليس فقط انعقاده، بل طبيعة الملفات التي طُرحت للنقاش. فقد تناولت أوراق العمل قضايا ترتبط بجوهر الأزمة الفلسطينية الراهنة: العملية السياسية والعلاقة مع الاحتلال، المصالحة الوطنية، الاستيطان والقدس، إعادة إعمار غزة، إضافة إلى الوضع الداخلي الفتحاوي وإعادة بناء الحركة سياسيًا وتنظيميًا. وهذا يعكس إدراكًا متزايدًا داخل الحركة بأن المرحلة المقبلة تتطلب مراجعات جدية تتجاوز الخطاب التقليدي، وتبحث عن أدوات جديدة للتعامل مع واقع متغير ومعقد.

ومن المنتظر أن يخرج المؤتمر بصياغة برنامج سياسي جديد للحركة، يتضمن آليات عمل أكثر وضوحًا لمواجهة تحديات المرحلة المقبلة، سواء على المستوى الوطني أو التنظيمي. فالتحديات التي تواجه القضية الفلسطينية اليوم لم تعد تسمح بالاكتفاء بالشعارات العامة أو إدارة الأزمة بالأساليب التقليدية، بل تتطلب رؤية سياسية عملية تعيد تعريف أولويات الحركة، وتحدد أدوات المواجهة السياسية والشعبية والدبلوماسية، إلى جانب إعادة بناء العلاقة مع الشارع الفلسطيني واستعادة الثقة بالمؤسسات الوطنية.

الأهم ربما كان في نتائج الانتخابات الداخلية، التي حملت مؤشرات واضحة على وجود رغبة ـ ولو جزئية ـ في التجديد وإعادة ضخ دماء جديدة داخل أطر الحركة القيادية. وصول نسبة التجديد في اللجنة المركزية إلى نحو 50% يعد تطورًا لافتًا في بنية اعتادت الاستقرار الطويل للقيادات التقليدية. كما أن دخول شخصيات جديدة تحمل خلفيات متنوعة، أمنية وشبابية وميدانية، يعكس محاولة لإعادة إنتاج صورة أكثر تمثيلًا لتنوع الحالة الفتحاوية.

كما يلاحظ خروج عدد من رموز الحرس القديم من اللجنة المركزية يشير أيضًا إلى تحولات داخلية لا يمكن تجاهلها، حتى وإن جاءت تدريجية. فالحركة تبدو اليوم أمام حاجة حقيقية لإعادة تعريف دورها السياسي والتنظيمي، خاصة في ظل حالة التراجع التي أصابت النظام السياسي الفلسطيني عمومًا، وتراجع ثقة الشارع بالقوى التقليدية.

ومن اللافت كذلك أن المؤتمر حمل رسائل رمزية مهمة، أبرزها تمثيل الأسرى داخل اللجنة المركزية لأول مرة، ورفع تمثيل المرأة، إضافة إلى حضور الشبيبة وتمثيل القدس انتخابيًا. هذه المؤشرات، رغم رمزيتها، تعكس محاولة لتقديم صورة أكثر انفتاحًا وتنوعًا، وربما أكثر قربًا من المزاج الفلسطيني العام.

لكن مع ذلك، تبقى التحديات الحقيقية أمام فتح أكبر بكثير من مجرد تغيير أسماء أو تدوير مواقع قيادية. فالحركة مطالبة اليوم بإعادة بناء مشروع سياسي قادر على استعادة ثقة الفلسطينيين، وتجديد أدواتها التنظيمية، والانفتاح على جيل جديد يحمل أسئلة مختلفة وتطلعات مختلفة. كما أن قدرتها على تحويل مخرجات المؤتمر إلى سياسات فعلية ستبقى المعيار الأساسي للحكم على نجاح هذا التحول.

في النهاية، قد لا تكون فتح في أفضل حالاتها تنظيميًا، لكنها ما تزال تمتلك قدرة لافتة على التكيف والبقاء وإعادة إنتاج نفسها. والسؤال الأهم ليس إن كانت الحركة قادرة على النجاة من أزماتها، بل إن كانت قادرة هذه المرة على تحويل النجاة إلى فرصة حقيقية للتجديد والإصلاح واستعادة الدور الوطني الذي تأسست من أجله.

البوابة 24