في مؤشر يجسد أزمة هيكلية حادة، تسجل فاتورة الرواتب الحكومية الفلسطينية معدلات قياسية تقارب الأعلى عالمياً مقارنة بحجم الاقتصاد. ويكشف هذا الوضع تحول الإنفاق العام والأجور إلى المحرك الاقتصادي الأول، وسط تراجع للقطاعات الإنتاجية الأخرى.
تُشير التقديرات المستندة إلى بيانات وزارة المالية الفلسطينية لعام 2025 إلى أن الناتج المحلي الإجمالي بلغ قرابة 13 مليار دولار. وفي المقابل، ناهزت فاتورة الأجور الاسمية السنوية المفترضة —والتي تغطي رواتب الموظفين، والمتقاعدين، وأشباه الرواتب— نحو 4.1 مليار دولار، وهو ما يشكل ما نسبته 24% تقريباً من مجمل الناتج المحلي.
هذه النسبة تضع فلسطين في مستوى استثنائي مقارنة بالمعايير العالمية. ففي معظم الاقتصادات المتقدمة تتراوح فاتورة الأجور الحكومية عادة بين 8% و12% من الناتج المحلي وفق صندوق النقد الدولي، بينما تدور في غالبية الاقتصادات النامية بين 6% و10%.
حتى الدول ذات القطاع العام الكبير تاريخياً، مثل فرنسا أو دول شمال أوروبا، نادراً ما تتجاوز فيها فاتورة الأجور الحكومية 13% إلى 15% من الناتج المحلي، فيما تعتبر المؤسسات الدولية أي مستويات أعلى من ذلك مؤشراً على اختلالات هيكلية وضغوط مالية طويلة الأجل.
في المقابل، تظهر النسبة الفلسطينية أقرب إلى اقتصادات تعاني أزمات هيكلية أو تعتمد بشكل مفرط على القطاع العام كمشغل رئيسي للسكان، أكثر من كونها تشبه الاقتصادات الطبيعية القائمة على الاستثمار والإنتاج.
ويزداد تعقيد المشهد بسبب أن السلطة الفلسطينية تعيش فعلياً أزمة أجور ممتدة منذ نوفمبر 2021، نتيجة الاقتطاعات الإسرائيلية من أموال المقاصة، التي تمثل ثلثي الإيرادات العامة، إلى جانب تضخم فاتورة الأجور بوتيرة تفوق نمو الإيرادات المحلية.
ومنذ ذلك الوقت، باتت الحكومة الفلسطينية تدفع رواتب منقوصة أو مجزأة بشكل متكرر، في محاولة لإدارة أزمة سيولة مزمنة، قبل أن تدخل الأزمة مرحلة أكثر حدة بعد حجب إسرائيل كامل أموال المقاصة منذ مايو 2025.
تحليل منصة المنقبون، يرى أن المشكلة لا تتعلق فقط بحجم فاتورة الأجور، بل بطبيعة الاقتصاد الفلسطيني نفسه، الذي يعاني ضعفاً في القاعدة الإنتاجية، ومحدودية الاستثمار الخاص، واعتماداً كبيراً على الإنفاق الحكومي والعمالة الفلسطينية في الداخل والتي تراجعت بأكثر من 70٪ منذ 7 أكتوبر 2023.
العمالة الفلسطينية في الداخل كانت تدر على الاقتصاد الفلسطيني شهرياً أكثر من 400 مليون دولار، أي 4.8 مليار دولار سنوياً.
هذا الواقع خلق ما يشبه “اقتصاد الرواتب”، حيث أصبحت القدرة الشرائية لجزء واسع من السوق مرتبطة مباشرة بقدرة الحكومة على دفع الرواتب، ما يجعل أي أزمة مالية حكومية تتحول فوراً إلى أزمة اقتصادية شاملة تضرب الاستهلاك والتجارة والقطاع المصرفي معاً.
كما أن تضخم فاتورة الأجور يحد من قدرة الحكومة على توجيه الإنفاق نحو مشاريع تنموية أو استثمارات بنية تحتية قادرة على خلق نمو اقتصادي طويل الأجل، إذ يذهب الجزء الأكبر من الإيرادات نحو الإنفاق الجاري بدلاً من الإنفاق الرأسمالي.
المؤسسات الدولية، بما فيها البنك الدولي وصندوق النقد، لطالما حذرت من أن فاتورة الرواتب الفلسطينية تُعد من الأعلى عالمياً مقارنة بالناتج المحلي، معتبرة أن هذا المستوى غير قابل للاستدامة على المدى الطويل دون إصلاحات هيكلية واسعة.
لكن في المقابل، فإن أي محاولة لتقليص الإنفاق الحكومي أو ضبط التوظيف تصطدم بحساسية سياسية واجتماعية كبيرة، لأن القطاع العام لا يمثل مجرد جهاز إداري، بل يشكل عملياً العمود الفقري للطبقة الوسطى الفلسطينية ومحركاً أساسياً للطلب داخل الاقتصاد.
