بقلم: موسى الصفدي
لم تُبنَ حركة فتح على أكتاف الأفراد، مهما عظمت تضحياتهم، بل تأسست على فكرة الجماعة الوطنية التي تُخضع الاجتهاد الفردي لقرار المؤسسة، وتجعل وحدة الحركة شرطاً لانتصار المشروع الوطني الفلسطيني. ومنذ انطلاقتها، واجهت الحركة محاولات لا حصر لها لتفكيكها أو إضعافها، لكنها بقيت متماسكة بفضل احتكامها، في اللحظات الحاسمة، إلى الشرعية التنظيمية وإلى القرار الجماعي. ومن هذا المنطلق، فإن أي استحقاق رئاسي لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره منافسة بين شخصيات فتحاوية، بل باعتباره اختباراً لمدى قدرة الحركة على المحافظة على وحدتها الداخلية، وعلى تقديم نموذج سياسي يعكس مسؤوليتها التاريخية تجاه الشعب الفلسطيني. لا يختلف اثنان على القيمة الوطنية والمعنوية التي يمثلها الأسرى الفلسطينيون، ولا على أن تضحياتهم جزء أصيل من الذاكرة الوطنية. لكن في المقابل، فإن بناء القرار السياسي لا يقوم على الرمزية وحدها، وإنما على تقدير المصلحة العامة، وعلى دراسة الظروف الدستورية والسياسية والتنظيمية المحيطة بأي استحقاق. إن ترشح أي قيادي فتحاوي خارج إطار التوافق المؤسسي، أو في مواجهة مرشح يعتمد قراراً تنظيمياً، قد ينقل الخلاف من أروقة المؤسسات إلى قواعد الحركة، ثم إلى الشارع الفلسطيني، بما يهدد بإعادة إنتاج حالة من الاستقطاب الداخلي في لحظة يحتاج فيها الفلسطينيون إلى أعلى درجات التماسك. والسؤال الذي ينبغي أن يسبق سؤال: من هو الرئيس؟ هو: ماذا سيحدث لوحدة فتح بعد الانتخابات؟ فإذا انقسمت الحركة بين معسكرات متنافسة، فإن الخاسر لن يكون مرشحاً بعينه، بل ستكون الحركة نفسها، التي تمثل القوة الرئيسية داخل منظمة التحرير الفلسطينية، والركيزة الأساسية للمشروع الوطني الفلسطيني. كما أن أي حالة استقطاب داخل فتح لن تبقى محصورة في الضفة الغربية أو قطاع غزة، بل ستصل آثارها إلى تجمعات الفلسطينيين في الشتات، حيث ما زالت الحركة تمثل بالنسبة لكثيرين عنوان الهوية الوطنية الجامعة. والانقسام التنظيمي، متى خرج إلى العلن، ينعكس على الأقاليم والساحات الخارجية، ويضعف قدرة الحركة على مخاطبة جماهيرها بصوت واحد. ومن زاوية أخرى، فإن ترشيح شخصية ما تزال معتقلة لدى إسرائيل يثير، بحكم الواقع القائم، إشكاليات سياسية ودستورية وعملية تتعلق بإمكانية ممارسة مهام الرئاسة إذا لم يتغير وضعها القانوني. وهذه الإشكاليات تستحق نقاشاً مؤسسياً هادئاً يوازن بين الرمزية الوطنية ومتطلبات إدارة المؤسسات، بعيداً عن الشخصنة أو التخوين. ولا يمكن إغفال أن إسرائيل قد تجد في أي خلاف داخلي فلسطيني فرصة لتعميق الانقسام، في حين قد ينظر المجتمع الدولي إلى أي تنافس حاد داخل الحركة بوصفه مؤشراً على تراجع قدرتها على توحيد القرار الوطني. وفي المقابل، فإن خروج فتح بمرشح واحد يحظى بإجماع مؤسساتها يعزز صورتها كحركة قادرة على إدارة اختلافاتها ضمن الأطر التنظيمية، ويمنحها ثقلاً سياسياً أكبر في مواجهة التحديات الخارجية. لقد علمتنا التجربة أن قوة فتح لم تكن يوماً في تعدد مراكز القرار، وإنما في احترام مؤسساتها، والالتزام بقراراتها، وتقديم المصلحة الوطنية على الطموحات الشخصية. فالحركات الوطنية لا تُقاس بقدرة أفرادها على المنافسة، بل بقدرتها على تحويل التنوع إلى قوة، والخلاف إلى حوار، والقرار إلى التزام. إن المرحلة المقبلة تتطلب من جميع أبناء فتح، مهما اختلفت اجتهاداتهم، أن يدركوا أن وحدة الحركة ليست هدفاً تنظيمياً فحسب، بل هي شرط من شروط صمود المشروع الوطني الفلسطيني. فكل تصدع داخلي ينعكس على منظمة التحرير الفلسطينية، وعلى قدرة الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات على الدفاع عن حقوقه الوطنية. ولهذا، فإن الاحتكام إلى المؤسسات، واحترام النظام الداخلي، والالتفاف حول القرار التنظيمي، ليست مجرد قواعد حزبية، بل هي تعبير عن ثقافة وطنية ترى أن بقاء الحركة موحدة هو الضمانة الأقوى لاستمرار دورها التاريخي في قيادة النضال الفلسطيني، حتى يتحقق الهدف الذي ضحى من أجله الشهداء والأسرى والجرحى، والمتمثل في الحرية والاستقلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وفق ما تقرره المؤسسات الفلسطينية الشرعية والإرادة الشعبية.
