بقلم د. إياد أبو الهنود
قد يرى البعض أن الحديث عن الثقافة والحضارة في هذا التوقيت يبدو خارج سياق المشهد الفلسطيني، في ظل حرب الإبادة الجماعية التي يتعرض لها شعبنا، وما يرافقها من قتل وتجويع وتهجير ومحاولات لاقتلاع الإنسان من أرضه، وقد يعتبر آخرون أن مثل هذا الطرح مؤجل إلى ما بعد انتهاء الحرب.
أما أنا، فأرى العكس تمامًا.
فالظرف السياسي الذي نعيشه يفرض علينا أن نتحرك بيدين لا بيدٍ واحدة؛ يدٌ تقاوم الأخطار المحدقة بشعبنا، وتدافع عن حقه في الحياة والحرية والبقاء على أرضه، ويدٌ أخرى تبني وتحافظ على الجذور الحضارية والثقافية والإنسانية لهذا الشعب، باعتبارها أحد أهم مرتكزات صموده وأحد أسلحته في معركة الوجود.
فالقضية الفلسطينية لم تكن يومًا مجرد نزاع على حدود، بل هي أيضًا صراع على الرواية والذاكرة والهوية.
خلال الأيام الماضية، شاركت، بحكم عملي في سفارة دولة فلسطين لدى جمهورية مصر العربية، في أعمال مؤتمر الأمم المتحدة لعام 2026 حول قضية القدس، الذي نظمته لجنة الأمم المتحدة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف، تحت عنوان: “القدس: خط المواجهة للتهجير والضم ومفتاح السلام العادل والدائم”.
وكما جرت العادة في مثل هذه المناسبات، لم تقتصر المشاركة على جلسات المؤتمر، بل امتدت إلى لقاءات مع مؤسسات وشخصيات مصرية، في إطار تعزيز التعاون بين المؤسسات الدبلوماسية والبحثية والثقافية، وترسيخ العلاقات الفلسطينية المصرية بما يخدم قضيتنا الوطنية.
ومن أبرز تلك اللقاءات، الاجتماع الذي نظمته مؤسسة نواة للاستشارات والدعم وبناء السلام، بالتعاون مع سفارة دولة فلسطين، مع وفد لجنة الأمم المتحدة، حيث دار نقاش معمق حول مستجدات القضية الفلسطينية، وأهمية بناء شراكات بين المؤسسات البحثية والدبلوماسية والمنظمات الدولية.
وخلال ذلك اللقاء، استوقفتني مداخلة معالي وزير الثقافة المصري الأسبق الأستاذ حلمي النمنم، الذي تناول القضية الفلسطينية من زاوية مختلفة؛ إذ أكد أن جذور الصراع مع المشروع الاستعماري الإسرائيلي ليست سياسية فحسب، وإنما هي أيضًا صراع ثقافي وحضاري، يستهدف طمس الهوية وإعادة صياغة التاريخ، الأمر الذي يجعل حماية الوعي والرواية مسؤولية لا تقل أهمية عن أي جهد سياسي أو دبلوماسي.
كانت كلمات الرجل مدخلًا لتأملاتٍ أعمق.
فما إن انتهى اللقاء حتى توجه الوفد في زيارة إلى المتحف المصري الكبير، وهي زيارة أصر أعضاء الوفد على إدراجها ضمن برنامجهم، إدراكًا منهم لما يمثله هذا الصرح من قيمة حضارية وإنسانية تتجاوز حدود مصر إلى العالم كله.
وهناك، بين أروقة المتحف، لا يشعر الزائر أنه ينتقل بين قاعات عرض، بل بين آلاف السنين من التاريخ؛ كل حجر، وكل تمثال، وكل قطعة أثرية، تحكي قصة شعب آمن بحضارته، فحفظها، ووثقها، وقدّمها للعالم باعتبارها جزءًا من هويته الوطنية.
أدركت حينها أن الحضارة لا تبقى لأنها كانت عظيمة فقط، وإنما لأنها وجدت من يصونها ويعرضها ويجعلها حاضرة في وجدان الأجيال.
وفي تلك اللحظات، عاد إلى ذهني حديث الوزير النمنم، ووجدت نفسي، كفلسطيني يرتبط وجدانه بأرضه وتاريخه، أتساءل:
إذا كنا نؤمن، بحق، بأننا أصحاب حضارة ضاربة في أعماق التاريخ، وأن جذورنا الكنعانية الممتدة في هذه الأرض ليست مجرد سردية سياسية، بل حقيقة تاريخية وثقافية، وإذا كنا ندرك أن الاحتلال يخوض معنا معركة على الهوية كما يخوضها على الأرض .. فأين مشروعنا الحضاري الكبير الذي يترجم هذه القناعة إلى واقع؟
أين الصرح الوطني الذي يجمع ذاكرة فلسطين، وآثارها، وموروثها، وروايتها، ويقدمها للعالم بلغة العلم والثقافة، كما تفعل الأمم الحية؟
إننا بحاجة إلى أن نبني، بالتوازي مع معركة الصمود، مشروعًا وطنيًا ثقافيًا جامعًا؛ مشروعًا يحفظ الذاكرة الفلسطينية، ويوثق التاريخ، ويحصن الرواية، ويقدم للأجيال القادمة دليلًا ماديًا على عمق انتمائها لهذه الأرض.
ربما آن الأوان لأن نحلم بمتحف فلسطيني كبير، لا يكون مجرد مبنى يضم مقتنيات أثرية، بل مؤسسة وطنية وإنسانية تحفظ تاريخ فلسطين منذ الحضارات الكنعانية، مرورًا بكل مراحلها التاريخية، وصولًا إلى نضال شعبها المعاصر؛ متحفٌ يروي للعالم حكاية شعب لم يبدأ تاريخه عام 1948، ولن تنتهي حكايته مهما اشتدت محاولات الاقتلاع.
إن الدفاع عن فلسطين لا يتجسد في ميادين السياسة والمواجهة وحدها، بل أيضًا بالكتاب، وبالمتحف، وبالمخطوطة، وباللوحة، وبكل ما يحفظ الذاكرة من التزييف والنسيان.
ولعل أجمل ما خرجت به من تلك الزيارة، هو يقينٌ ازداد رسوخًا في داخلي: أن شعبًا يمتلك هذا العمق الحضاري لا يجوز أن يكتفي بالدفاع عن وجوده، بل عليه أن يدافع كذلك عن روايته، وأن يبني المؤسسات القادرة على تخليدها؛ فكما تنهض طائر الفينيق من رماده في الأسطورة، يواصل الفلسطيني، كل يوم، كتابة حكاية البقاء والبعث، مؤمنًا بأن الحضارة الحقيقية لا تموت ما دام هناك من يحملها، ويحميها، ويورثها للأجيال.
