غزة/ البوابة 24- أحلام حماد:
حين دوّى إلى جوارها صوت مفاجئ، انبطحت على الأرض قبل أن يمنحها عقلها وقتًا للتأكد مما يحدث. كانت تمشي في الشارع حين بدأ باب شاحنة يتحرك بعنف بفعل الريح، ويطرق هيكلها مرة بعد أخرى. لكن الصوت، في أذن اعتادت القصف، لم يكن مجرد طرق لباب شاحنة.
لم يكن هناك قصف. لم يكن صاروخ قد سقط، ولا طائرة استهدفت المكان. كان مجرد باب شاحنة لم يُحكم إغلاقه. ومع ذلك، كان جسد ربا العجرمي، مراسلة قناة "تي آر تي عربي" التركية، قد تعامل مع الصوت كما لو أن الخطر حقيقي.
تلك اللحظة الصغيرة تختصر شيئًا من حياة الصحفيات في غزة؛ سنوات من التعرف إلى أصوات الطائرات، وتمييز أنواعها، ومعرفة ما قد يعنيه كل صوت، حتى أصبح الخطر لغة يومية يتعلمها الجسد قبل العقل. وما كان يومًا مهارة للنجاة في الميدان، تحوّل مع الوقت إلى يقظة لا تعرف متى تتوقف. بالنسبة للعجرمي، أصبحت الأصوات والانفجارات جزءًا من قاموس مهني يتعين على الصحفي فهمه بسرعة. تقول للبوابة 24 إن الصحفيين باتوا يميزون بين أصوات طائرات الاستطلاع والطائرات المقاتلة والطائرات الانتحارية والزوارق الحربية، ويربطون الصوت بما قد ينتج عنه من استهداف وضحايا وخسائر. لكن هذه القدرة المهنية على تمييز الخطر تحولت مع الوقت إلى عبء نفسي، تضيف.
وتقول إن هذا التصرف أصبح تلقائيًا بالنسبة للصحفيات والصحفيين الذين يعيشون الحرب على مدار اللحظة، وإن هذا الاستنفار يستمر حتى بعد انتهاء ساعات العمل. وتضيف: "حتى لو كنت نائمة وسمعت انفجارًا أو صوتًا مفاجئًا، أتجه بسرعة إلى أقرب نافذة لأستطلع ما حدث وأتحقق من الخبر".
كما أصبح النوم نفسه معقدًا بسبب استمرار القصف والظروف الإنسانية الصعبة، فضلًا عن مسؤوليات الأسرة والأطفال بالنسبة للمتزوجين. ويبقى الهاتف المحمول حاضرًا في حياة ربا، مع متابعة مجموعات الأخبار السياسية والميدانية، بما يضاعف الاستنزاف ويجعل الفصل بين العمل والحياة الشخصية شبه مستحيل. لكن ما يحدث لربا لا يتوقف عند رد فعل لحظي أمام صوت مفاجئ؛ فبالنسبة لصحفيات أخريات، تلاحق آثار الحرب الذاكرة والنوم وحتى تفاصيل الحياة اليومية.
ذاكرة لا تغادر الميدان
في أحد شوارع رفح، لم يكن أمام بيداء عثمان سوى دقائق قليلة تفصلها عن مشهد لم تستطع مغادرته حتى بعد مغادرة المكان. كانت برفقة زملائها وطاقم العمل في طريقهم إلى حي الجنينة شرق المدينة، متجهين إلى مستشفى أبو يوسف النجار، حين استُهدف منزل في الشارع نفسه. تقول مراسلة "تلفزيون فلسطين" للبوابة 24 إنها شاهدت أمام عينيها أشخاصًا يحترقون داخل سيارة سقط عليها الركام، ورأت أشلاء في مشهد تصفه بأنه الأكثر رعبًا بالنسبة إليها خلال الحرب. تضيف: "لو تأخرنا دقائق فقط، ربما كنا نحن الضحايا".
لكن المشهد لم ينتهِ بالنسبة لبيداء بانتهاء المهمة. منذ ذلك اليوم، لم تعد الأصوات اليومية عادية؛ صوت نافذة تُكسر أو تُغلق بقوة قد يعيدها إلى صوت الطائرة، وحتى صوت دراجة نارية في الشارع يمكن أن يجعلها للحظات تشعر بأن صاروخًا سيسقط في المكان. وما رأته في ذلك اليوم لم يبقَ في ذاكرة المشهد وحدها؛ فالأشخاص الذين شاهدتهم، وآخرون التقتهم خلال عملها وتحولوا إلى أشلاء، ما زالوا يظهرون في أحلامها.

وتصف علا معمر، مراسلة قناة "الجزيرة مباشر" القطرية، حالة الاستنفار بأنها باتت جزءًا من الحياة اليومية في غزة؛ فكل صوت مفاجئ قد يفتح سؤالًا جديدًا: ماذا حدث؟ وهل هناك نزوح جديد؟ وتعيش علا الخطر من أكثر من جهة؛ فهي تخاف على نفسها وعلى أسرتها، وفي الوقت نفسه تعرف أن سماع صوت يشبه القصف قد يعني حدثًا يتطلب منها ترك الأسرة والمكان والتوجه إلى الميدان.
وتقول للبوابة 24 إنها قد تنهي تغطيتها وتعود إلى أسرتها، ثم تبدأ في إعداد الطعام، قبل أن يصل خبر عاجل يجعلها تترك كل شيء وتخرج. وبذلك لا يوجد فصل واضح بين العمل والحياة؛ فالصحفية قد تكون داخل بيتها أو خيمتها، لكنها تظل على اتصال بالأخبار، مستعدة للعودة إلى الميدان في أي لحظة. أما النوم، فقد تحولته الحرب إلى حلم مؤجل. توضح علا أنه حتى عندما ينجح الجسد في النوم، يبقى العقل متصلًا بالأخبار ومترقبًا لما سيحدث، وإذا وقع استهداف قريب، قد تكون الصحفية المصدر الأقرب لإبلاغ الإسعاف أو الدفاع المدني، لذلك يصعب على العقل أن يطمئن ويغلق دائرة الخطر.
جهاز عصبي مستنفر
توضح الباحثة في الصحة النفسية والمجتمعية الدكتورة روضة حلس أن التعرض المتكرر للقصف والانفجارات والمشاهد الصادمة، والعمل في بيئة قد يحدث فيها الخطر في أي لحظة، يمكن أن يبقي الجهاز العصبي في حالة استنفار مستمر.
وتقول للبوابة 24 إن ذلك قد يظهر في صورة سرعة الانفعال، والتوتر، وصعوبة الاسترخاء، واضطرابات النوم والكوابيس، وضعف التركيز والذاكرة، والشعور المستمر بأن شيئًا سيئًا قد يحدث. وتفرق حلس بين اليقظة الطبيعية واليقظة المفرطة؛ فالأولى تجعل الإنسان ينتبه للخطر عند وجوده ثم يعود إلى الهدوء بعد زواله، بينما تستمر الثانية في البحث عن الخطر حتى في غيابه. لذلك قد يتحول صوت عابر إلى إشارة إنذار، بعدما يخزن الدماغ أصوات التجارب الخطرة وصورها وروائحها وأماكنها، ثم يستدعيها عند مواجهة محفز مشابه.
وتشير حلس إلى أن هذا الاستنفار لا يتوقف بانتهاء ساعات العمل، خصوصًا مع المتابعة المستمرة للأخبار، التي قد تبقي الدماغ في حالة تأهب وتفاقم اضطرابات النوم والتشتت والانفعال والإرهاق.

مسؤولية فردية ومؤسسية
أمام هذه الصورة، لا يمكن النظر إلى اليقظة المفرطة باعتبارها مشكلة شخصية تعاني منها الصحفية وحدها، فالمؤسسات الإعلامية تتحمل جزءًا من المسؤولية، خصوصًا أن الصحفيين والصحفيات يعملون في واحدة من أخطر بيئات العمل الصحفي والأشد تعقيدًا في العالم، يقول نائب نقيب الصحفيين الفلسطينيين الدكتور تحسين الأسطل للبوابة 24.
ويضيف أن واقع الصحفيات في غزة لا يمكن اختزاله في المخاطر الميدانية وحدها، لأن استمرار العمل تحت القصف والاستهداف والنزوح ومتابعة الأخبار على مدار الساعة يترك آثارًا نفسية متراكمة قد لا تظهر مباشرة، لكنها تصبح جزءًا من الحياة اليومية. ووفقًا له، فإن المؤسسات الصحفية مطالبة بالتعامل مع الصحة النفسية والسلامة المهنية باعتبارهما جزءًا من حقوق الصحفي، وليس رفاهية أو أمرًا ثانويًا، من خلال توفير الدعم النفسي المتخصص، وإتاحة فترات راحة حقيقية، وعدم تحويل الاستنفار الدائم إلى معيار لالتزام الصحفية بعملها، إلى جانب تدريب العاملات في الميدان على التعامل مع الصدمات والضغوط المتراكمة.
وبرأي نائب نقيب الصحفيين، فإن حماية الصحفية لا تعني فقط توفير الخوذة والسترة الواقية، بل حماية إنسانيتها أيضًا، لأن الصحفية التي تنقل معاناة الناس تحتاج هي الأخرى إلى من يسألها: كيف حالك؟ وهل تستطيعين المواصلة والاستمرار؟ ويرى أيضًا أن الصحفية نفسها مطالبة بألا تنظر إلى طلب المساعدة باعتباره ضعفًا، وأن تنتبه إلى الإشارات التي يرسلها جسدها وعقلها، خصوصًا اضطرابات النوم، وسرعة الغضب، والخوف المستمر، وفقدان القدرة على الاسترخاء أو التركيز.
وينصح نائب نقيب الصحفيين بألا تحمل الصحفية نفسها فوق طاقتها، وأن تستفيد من أي مساحة ممكنة للراحة والتواصل مع الأسرة والزميلات وطلب الدعم المتخصص عند الحاجة.
محاولات للنجاة واستعادة الحياة
وسط هذا الاستنزاف، تحاول الصحفيات في غزة ابتكار مساحات صغيرة للنجاة. بيداء عثمان تكتب في مذكرات هاتفها ما لا تستطيع قوله، وتخرج إلى البحر كمتنفس وحيد للغزيين، وتزور أختها الأقرب إلى قلبها، وتحاول الخروج مع زوجها وأطفالها، بحثًا عن لحظات قصيرة تشبه الحياة التي كانت تعرفها قبل الحرب.
لكن استعادة الأمان ليست قرارًا فرديًا فقط. وحسبما تقول الدكتورة روضة، يحتاج الجهاز العصبي إلى وقت ومساحة ليتعلم أن هناك لحظات يمكن فيها التوقف والراحة، ويمكن أن تساعد الكتابة، والتواصل مع الأشخاص الموثوقين، وتنظيم النوم، وتقليل التعرض المستمر للأخبار، والدعم النفسي المهني على استعادة شيء من التوازن.
غير أن السؤال الأصعب يبقى حاضرًا: كيف يمكن للصحفية أن تتخلص من اليقظة المفرطة بينما مصدر الخطر نفسه لم ينته؟ ربما لهذا تقول علا معمر إنها رغم مرور سنوات الحرب، ما زالت تخاف من صوت القصف، وما زالت تشعر بأن محاولات التكيف تتلاشى كلما عاد القصف والاستهداف والدمار. أما ربا العجرمي، فتقول إنها وزميلاتها بحاجة إلى فترة من النقاهة، ولكن الفرصة غير متاحة بسبب استمرار الهجمات والقصف والاستهداف، وهذا لا يتيح لنا الاسترخاء أو التفريغ النفسي، ولا يمنحنا فرصة لإعادة ضبط التوازن في حياتنا.
في غزة، لا تنتهي التغطية بانتهاء مهمة العمل، ولا ينتهي الخطر بعودة الصحفية إلى خيمتها أو منزلها. قد تنام الصحفية، بينما يظل جزء من عقلها متيقظًا ومستعدًا للانبطاح عند أول صوت يشبه الانفجار.
