روابط مساعدات ووعود زواج.. هكذا يصطاد المبتزون ضحاياهم بغزة

صورة تعبيرية أُعدت بمساعدة الذكاء الاصطناعي
صورة تعبيرية أُعدت بمساعدة الذكاء الاصطناعي

*ملاحظة/ تتحفظ "البوابة 24" على أسماء الضحايا لحساسية القضية

غزة/ البوابة 24- إسلام أيمن:

لم تكن "هناء" (اسمٌ مستعار) تتخيل أن الصورة التي أرسلتها لشابٍ وعدها بالزواج، ستلقي بها في مساحةٍ تهديدٍ لا حدود لها. كانت قد تجاوزت الخامسة والثلاثين، حين بدأت تتواصل مع شابٍ عبر "فيسبوك".

بدا في حديثه أول الأمر رجلًا يعرف ما يريده، لم يكتفِ بصداقةٍ عابرة، بل أخذ يطمئنها بأنه جاد، وأنه يريد الزواج منها، وأنه سيدخل بيتها "من بابه" كما كان يقول.

مع كل حديثٍ عن أمّه وأخواته والبيت الذي يمكن أن يجمعهما، كانت المسافة بينهما تضيق، والثقة تكبر، وحين أراد أن يطمئنها أكثر، طلب منها "صورًا" يريها لأمه، كي تتشجّع وتأتي لخطبتها.

لم ترَ في طلبه ما يدعو إلى الريبة، فقد بدا الأمر في سياق حديثٍ يتجه نحو الزواج، طبيعيًا. أرسلَت صورها، وهي تبتسم، لكن الصور التي خرجت من هاتفها بوعدٍ بالزواج، عادت إليها بعد أيامٍ مرفقةً برسائل تهديد.

بدأ الشاب بطلب المال. مئة شيكل في المرة الأولى، قال إنه يحتاج إليها وسيعيدها، فأرسلتها متعاطفةً معه، لكنه عاد يطلب المزيد، وحين دخل الشك قلبها رفضَت، فانقلبت لغة الوعود إلى لغةٍ أخرى تمامًا.

"صار يهددني بالصور اللي بعتله ياها" قالت لـ"البوابة 24". في تلك اللحظة لم تعد هناء أمام رجلٍ يتحدث عن بيتٍ وزواج، بل أمام شخص حوّل الثقة التي أعطته إياها سلاحًا ضدها.

حملت ما لديها من خوفٍ وأدلة، وتواصلت مع وحدة الجرائم الإلكترونية عبر رقم الواتساب الذي أعلنت عنه سابقًا، وبعد فترةٍ قصيرة تمكنت من الوصول إلى الشاب، وأعادت إليها أموالها، وحذفت الصور من جهازه.

قصة هناء، التي بدأت بوعدٍ بحياة مشتركة، لم تكن سوى واحدة من طرقٍ متعددة وجد فيها الابتزاز طريقه إلى حياة الغزيين خلال الحرب، فحين ضاقت سبل العيش، واتسعت الحاجة، لم يعد المبتز يبحث فقط عن صورةٍ خاصة، بل عن نقطة ضعفٍ يمكن أن يدخل منها إلى حياة الضحية.

مرةً عبر وعدٍ بالزواج، ومرةً عبر رابطٍ يحمل اسم المساعدة، ومرةً عبر صورةٍ عادية يعيد الذكاء الاصطناعي تركيبها لتصبح مادةً للتهديد. هكذا، خلف شاشات الهواتف، أخذت الحرب تفتح للمبتزين أبوابًا لم تكن موجودةً بالاتساع نفسه من قبل.

حين يصبح الاحتياج مدخلًا إلى الفخ

داخل خيمةٍ على أنقاض بيتها المدمّر في خانيونس، جنوبي قطاع غزة، تعيش "سلمى" (اسم مستعار) وتبلغ من العمر (22 عامًا). هي أرملة وأمٌ لطفل، تعيش وحيدةً في مواجهة احتياجات الحرب والنزوح.

وصلتها مرةً عبر "إنستجرام" رسالة تتضمن رابطًا للتسجيل؛ للحصول على مساعدات نقدية. لم يكن الاحتياج يسمح بمساحة واسعة للشك، فضغطت على الرابط، وبعد أيام، اكتشفت أن صورها كلها صارت في قبضة أحدهم.

"لقيته باعتلي صوري. صور خاصة جدًا"، تقول. بدأ الأمر بكلامٍ لطيف، ثم تحول إلى أوامر وتهديد: "ممنوع ترفضيلي طلب".

هنا لم يعد الفقر مجرد ظرفٍ اجتماعي، صار أداةً يستخدمها المبتز للوصول إلى الضحية. الحاجة إلى المال، والمساعدات، والأمان، تتحول إلى نقاط ضعف يجري استغلالها خلف شاشة لا تكشف وجه صاحبها.

تواصلت البوابة 24 مع الشابة "سلمى"، لتخبرنا أنها تعيش أسوأ أيام حياتها "فمن سيصدق أنني لم أرسل له الصور؟ وكيف سأواجه المجتمع بعد أن تنشر صوري الخاصة عبر الإنترنت؟" تتساءل.

وتتابع: "أخبرت أخي بالأمر فأنبني كثيرًا، وتحدث إليه بعصبية شديدة، فما كان من الشاب إلا أن زاد في التهديد. أخي الآن يحاول الوصول إليه عبر أصدقاء بغية اختراق هاتفه وحذف الصور، كما أنه تواصل مع وحدة الجرائم الإلكترونية، وهم يحاولون الوصول الآن".

الذكاء الاصطناعي على خط الابتزاز

في سياقٍ متصل، دخل "أ.م"، وهو رجل يبلغ من العمر (37 عامًا)، ومتزوج وله أطفال، في علاقة صداقة سطحية مع فتاة تعرف إليها عبر مواقع التواصل.

يقول: "كانت نزوة. طلبت مني صورًا شخصية، فأرسلتُ لها صورًا عادية لي، لكنني لم أتخيل أن يحدث ما حدث بعدها".

الصور عادت إليه بشكلٍ آخر. "أرسلت إلي صوري مركبة في مقاطع فيديو خادشة للحياء، أُعدت عن طريق الذكاء الاصطناعي، مرفقة بصوتي نفسه! لا أدري هل كانت تسجل لي صوتي أثناء المكالمات أم ماذا" يضيف.

ثم جاء التهديد: "يا بتدفع.. يا ببعت صورك لمرتك وأهلك وأصحابك". طلبت منه مبلغ 10 آلاف شيقل! بينما هو لا يملك إلا جزءًا من راتبه الذي يصله ليعيل به نفسه وأسرته.

"كوني رجل لم أكترث كثيرًا، لكنه كان درسًا قاسيًا.. صوري التي أرسلتها يمكن أن أنشرها عبر صفحتي في فيسبوك بشكل طبيعي، ويمكن أيضًا أن تُستغل وتُفبرك، لهذا تجاهلت الموضوع، لكنني سألتُ نفسي: ماذا لو كنت امرأة؟ ماذا لو كانت ابنتي أو أختي؟ ماذا كانت ستفعل في مجتمعٍ يرى في النَفس العالي عيبًا؟" يتساءل بتأثر.

حدثت كثيرًا في غزة خلال الحرب، هذا ما يؤكده متابعٌ لقضايا الجرائم الإلكترونية بغزة: صورٌ مفبركة، ومقاطع فيديو تكشف تحولًا مهمًا في طبيعة الابتزاز الإلكتروني، إذ لم يعد امتلاك صورة خاصة شرطًا لصناعة تهديد مقنّع، صارت هناك إمكانية للتلاعب بالصور وإنتاج محتوى مركب، بهدف الإضرار بالسمعة أو الضغط على الضحية.

70% زيادة.. والحاجة كلمة السر

ولا تبدو هذه القصص حالات منفردة، وفق المختص في الأمن السيبراني والتسويق الرقمي محمد دلول، المعروف بـ"نورس غزة"، الذي ساهم بحل الكثير من قضايا الابتزاز الإلكتروني قبل، وخلال الإبادة. يقول: "إن قضايا الابتزاز الإلكتروني التي تصلني من قطاع غزة، زادت بنسبة 70% عما كانت عليه قبل الحرب".

ويربط دلول الارتفاع بـ"الفقر والحياة المعيشية الصعبة في غزة"، موضحًا أن كثيرًا من الضحايا يخضعون للمبتزين تحت ضغط الحاجة؛ فمنهم من يبحث عن مساعدة مالية أو كابونة، ومنهم من يحتاج إلى سفر أو علاج، ومنهم من لا يملك المال الذي يعتقد أنه قد ينهي التهديد.

ويختصر دلول دوافع الخضوع بكلمة واحدة: "الاحتياج". ويقول: "معظم الضحايا يوافقون على مطالب المبتز لأنهم محتاجين لواحد من الاحتياجات الأساسية: مال، مساعدات غذائية، سفر، علاج، وأحيانًا عاطفة.. وهذا بالضبط ما يستغله المبتز".

لكن الخطر لا ينتهي عند المبتز الأول، إذ يحذر دلول من ظاهرة يسميها "فخ المنقذ الوهمي"، حيث يلجأ بعض الضحايا إلى صفحات أو أشخاص يدّعون قدرتهم على حل قضايا الابتزاز وحذف الصور من أجهزة المبتزين، وهنا "قد يطلب المنقذ من الضحية إرسال الصور أو المقاطع نفسها التي يستخدمها المبتز الأول، بحجة مساعدتها على حذفها".

وهكذا تتحول محاولة النجاة إلى باب جديد للابتزاز؛ إذ يصبح لدى الضحية شخص آخر يمتلك المادة نفسها. "وكثيرًا ما تدخلنا لحل مثل هذا الوضع، لكنه وضع معقد فنكون أمام مجرمين وليس مجرم واحد بسبب انعدام الوعي، وعدم ترك الأمر للمختصين".

تحت طائلة المسؤولية القانونية..

ولا يعني اختباء المبتز خلف حساب وهمي أن الفعل يخرج من دائرة القانون، فالقرار بقانون رقم (10) لسنة 2018 بشأن الجرائم الإلكترونية وجرائم الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، وتعديلاته، ما زال ساريًا في الضفة الغربية وقطاع غزة، وينص في مادته الثالثة على إنشاء وحدة متخصصة في الشرطة للجرائم الإلكترونية، تحت الإشراف القضائي للنيابة العامة.

وتنص المادة (15)، بصيغتها المعدلة، على تجريم استخدام الشبكة الإلكترونية أو وسائل تكنولوجيا المعلومات في تهديد شخص أو ابتزازه لحمله على القيام بفعل أو الامتناع عنه، وتشتد العقوبة عندما يتعلق التهديد بارتكاب جناية أو بإسناد أمور خادشة للشرف أو الاعتبار.

وقد عُدّلت هذه المادة بقرار بقانون رقم (28) لسنة 2020م، لذلك فإن العقوبات النافذة اليوم تختلف عن الصيغة الأصلية التي وردت عند صدور القانون عام 2018م.

كما يحظر القانون التدخل التعسفي أو غير القانوني في خصوصية الشخص أو أسرته أو بيته أو مراسلاته، ويعاقب نشر الصور أو التسجيلات المرتبطة بالتدخل غير القانوني في الحياة الخاصة أو العائلية، حتى لو كانت المعلومات المنشورة صحيحة، وفق المادة (22).

ويجرّم القانون كذلك إرسال المواد الإباحية عبر الوسائل الإلكترونية دون رضا المتلقي، وفق المادة (16)، بما يجعل نشر المحتوى الحميمي دون موافقة صاحبه مسألة تتجاوز "الفضيحة الاجتماعية" إلى دائرة المسؤولية القانونية.

لا تدفع.. ولا تحذف الدليل

لكن القانون لا يستطيع حماية الضحية إذا دفعها الخوف إلى محو آثار الجريمة أو الاستجابة للمبتز، وهنا يوجه المحامي هاني أبو ريالة رسالة واضحة عبر "البوابة 24": "لا تدفع، ولا تستجب، ولا تحذف أي دليل".

ويؤكد ضرورة الاحتفاظ بالمحادثات ولقطات الشاشة والرسائل والروابط وأي معلومات يمكن أن تساعد الجهات المختصة في تتبع الجريمة، "فالابتزاز، مهما بدا قويًا خلف شاشة الهاتف، يظل جريمة يمكن ملاحقة مرتكبها" يقول.

وفي غزة، حيث دفعت الحرب ملايين الناس إلى حافة الحاجة، لم يعد المبتز بحاجة إلى اختراع نقطة ضعف جديدة؛ يكفيه أن يجد شخصًا يبحث عن زواج، أو أرملة تبحث عن مساعدة، أو رجلًا يخشى على أسرته، ثم يحول الصورة التي أُرسلت بثقة إلى سلاح.

لهذا، لا تبدأ مواجهة الابتزاز عند لحظة التهديد فقط، وإنما قبلها: حين يعرف الإنسان أن وعد الزواج ليس دليلًا على الثقة، وأن رابط المساعدة ليس بالضرورة طريقًا إلى النجاة، وأن الصورة التي تغادر هاتفه قد لا تعود إليه وحدها.

وفي زمنٍ أصبح فيه الجوع والحاجة والخوف أبوابًا مفتوحة، باتت حماية الناس من الابتزاز جزءًا من حماية حقهم في الخصوصية والكرامة والأمان.. حتى في إطاره الرقمي.

البوابة 24