رندة المصري.. جدةٌ تقُصّ الحكايات على ركام مقبرة!

رندة المصري وعائلتها
رندة المصري وعائلتها

غزة/ البوابة 24- رفيف اسليم:

بيدٍ صغيرة، عاد أحد أحفاد الخمسينية رندة المصري من اللعب، يحمل ما لم يكن ينبغي لطفلٍ أن يراه.. جمجمةٌ بشرية!

تسارعت أنفاس الجدة وهي تحاول تهدئة روعه، فيما لم تجد العائلة مكانًا آمنًا تنصب فيه خيامها المهترئة سوى أرضٍ تُخفي تحت ركامها جثامين (48) شخصًا، على بُعد نحو كيلومتر واحد من الخط الأصفر شمالي قطاع غزة.

لم يختر هؤلاء العيش فوق مقبرة، لكن انقطاع السبل بهم جعل من المكان ملاذهم الأخير. تقول رندة: "نزحنا عشرات المرات من أقصى شمال القطاع حتى جنوبه، وفي كل مرة كان يُطلب منا دفع ثمن لإيجار الأرض التي سننصب عليها خيامنا المهترئة".

05aace88-d220-4b31-b07e-07523acc0dd2.jfif
 

بعد الهدنة الأخيرة، اقترح زوجها العودة إلى الشمال والبحث عن مكانٍ مناسب، فلم يجدوا سوى أرض "الفقاسة" (هكذا تُسمى) في بلدة بيت لاهيا، إذ كانت مُلكًا لعائلة صيام، وارتكب الاحتلال الإسرائيلي فيها مجزرة راح ضحيتها 48 شخصًا من الأطفال والرجال والنساء.

لم تأتِ رندة إلى المكان وحدها، حولها أبناؤها وبناتها وأحفادها وأصهرتها أيضًا.. نحو 50 شخصًا قدموا معًا بعدما ضاقت بهم الخيارات. نظفوا الأرض وأزالوا ما استطاعوا من الركام والحجارة، ثم نصبوا خيامهم، قبل أن تصطدم أيديهم ببقايا الموت المدفونة تحت أقدامهم.

وجدوا قبل ذلك أيدٍ مُقطّعة وأرجلًا وشعرًا طويلًا لطفلةٍ لم يتحلل جسدها. جمعوا ما عثروا عليه ودفنوه، إذ لم ينجُ من العائلة أحد ليأتي ويبحث عن جثامينهم ويدفنها.

705c1dbc-8800-4495-8185-bbf24656e805.jfif
 

تقول رندة: "مقبرة.. أشعر أنني أعيش فوق مقبرة. تزورني صور الجثث وبقاياها كل يوم، وتنتزع النوم من جفوني وجفون الأطفال وبقية النساء، لكن لا أحد منا يتحدث عن الأمر علنًا، حتى نستطيع الهروب منه وعدم التفكير فيه".

وفي الليل، حين يهدأ كل شيء حولها، تخبرنا رندة أنها ترى خيالات لأشخاص يتحركون حولها. تحاول عندها أن تجمع الأطفال وتروي لهم قصة، لتمنحهم بعض الدفء وسط أزيز الرصاص، وتخفي عنهم قدر الإمكان ما تعرفه هي عن الأرض التي ينامون فوقها.

لكن المقبرة ليست الخطر الوحيد الذي يحيط بالعائلة، فقربهم من الخط الأصفر يجعلهم عرضة لرصاص جنود الاحتلال وقذائفه، ما دفع جد الأطفال إلى حفر حفرة عميقة، على عمق نحو مترين، ينزل إليها الأطفال كلما اشتدت النيران، ويبقيهم فيها حتى تهدأ.

55e95ba0-8c5c-4baa-92b8-ca8beaabc7d8.jfif
 

تضيف رندة بأسى: "قطعة قماش لا يمكن أن تقي أجساد الأطفال الصغيرة رصاصة أو شظية، خصوصًا مع انعدام الخدمات الصحية".

وفي يوم آخر، لم يكن الخطر قصفًا، بل مخاضًا. جاء موعد ولادة ابنتها الكبرى، ولم تجد وسيلة نقل تقلها إلى المستشفى، حتى لم تعد قادرة على الاحتمال، فأنجبت طفلها على رمال الطريق. وبعد دقائق وصلت سيارة إسعاف ونقلتها إلى أقرب مركز صحي، حيث استُكملت الإجراءات.

تزيد: "المواصلات في تلك المنطقة حلم، فجميع تحركاتنا تتم سيرًا على الأقدام، وعندما يمرض أحد منا لا نجد حتى دابة تنقله من مكان إلى آخر".

وفي الخيمة، تتقاسم العائلة المكان مع القوارض والأفاعي التي تخشى رندة على حياة الجميع منها.

371cf6be-4a2b-4d04-b57e-e6777dc1ffca.jfif
 

أما الطعام، فالوصول إليه ليس أسهل.. لا متجر قريب يمكنهم شراء احتياجاتهم منه، والتكايا التي توزع الطعام مجانًا لا تصل إليهم باستمرار، لكن الماء يبقى المشكلة الأكبر، إذ يقطع الرجال ما بين ثلاثة وخمسة كيلومترات للحصول على جالون واحد في بعض الأحيان.

وتعود رندة بذاكرتها إلى ما قبل الحرب، حين كانت تعيش في بلدة بيت حانون، داخل منزل من ثلاثة طوابق، لكل ابن منها طابق مستقل. في تلك الأيام كانت تشعر أنها امرأة تعيش حياة ميسورة، تتوافر لها احتياجاتها، ولم تكن تفكر في كيفية تدبير أبسط تفاصيل يومها كما يحدث معها الآن.

اليوم، تنظر إلى نفسها وتبكي: ثوبها ممزق، والعرق يكسو جبينها، وهي تركض بين الركام بحثًا عن حفنة من الحطب، لتخبز عليها أرغفة قليلة تطعم بها نفسها وأفراد عائلتها، ولا سيما الأطفال.

1490587e-ecff-4545-8287-fbaaf3b53e0e.jfif
 

ومع اقتراب الشتاء، لا ترى رندة في بقائها فوق المقبرة بطولة ولا صمودًا اختارته بإرادتها وفق تعبيرها. تزيد: "الحاجة وحدها دفعتنا إلى المكوث هناك، فالخيام ممزقة ولن تحتمل برد الشتاء القادم، وجالونات المياه مثقوبة. إصلاحها لا يمنع تسرب جزء من محتواها قبل وصوله إلينا".

لذلك، لا تتمنى رندة أكثر من مكان آخر تنصب فيه خيمتها قبل انتهاء الصيف.. مكان لا تخشى فيه على أحفادها من الرصاص، ولا تستيقظ فيه على بقايا جثامين تحت أقدامهم، ولا يدخل عليها الشتاء وهي تعرف أن المطر سيحوّل حياتهم إلى وحل، والبرد إلى مرض جديد يضاف إلى قائمة عذابات الأطفال والنساء هنا.

73e1856e-41d1-45fe-a796-262ea8de5055.jfif
 

البوابة 24