غزة/ البوابة 24- سماح شاهين:
ليس للمفقود في غزة مكان واضح. لا هو حاضر تعود إليه الأسرة حين تضيق بها الحياة، ولا هو غائب نهائيًا بما يكفي لتُفتح لأطفاله أبواب كفالة الأيتام. في المنتصف، تبقى الزوجة وحدها؛ تحمل غيابًا لا تستطيع إثبات نهايته، وأطفالًا لا ينتظرون شهادة وفاة كي يجوعوا أو يحتاجوا إلى ملابس أو تتراكم عليهم مصاريف الحياة.
منذ أن ابتلع القصف منزلها، تعيش مي المتربيعي على الاحتمالين معًا ربما قضى زوجها تحت الأنقاض، وربما خرج منها قبل انهيار المنزل. لا دليل يحسم أحدهما، ولا وثيقة تستطيع أن تنهي انتظارها. لكن الحرب لا تنتظر اكتمال الأوراق. وبينما تبحث مي عن مصير زوجها، تبحث أيضًا عن الطعام والإيجار واحتياجات بناتها، وتطرق أبواب المؤسسات دون أن يضمن غياب الأب حصول أطفالها على الدعم. هكذا يتحول المفقود إلى فراغ يمتد من البيت والدخل إلى الأوراق، وحتى إلى فرص الكفالة.
غياب بلا نهاية
تقول مي لـ"البوابة 24" إن غياب زوجها لم يتركها أمام سؤال واحد عن مصيره، بل وضعها أمام أسئلة يومية أكثر إلحاحًا، كيف تؤمّن الطعام؟ كيف تدفع الإيجار؟ وكيف توفر احتياجات بناتها في ظل غياب مصدر دخل ثابت؟
تعيش الأسرة حاليًا في منزل أحد أقاربها، لكنها تدفع إيجارًا مقابل الإقامة فيه. وقبل الحرب، كان زوجها يعمل في أعمال مختلفة، من بينها اللحام والكهرباء، ويحصل، بحسب روايتها، على مبالغ محدودة تتراوح أحيانًا بين 50 و100 شيكل. كما كانت الأسرة تستفيد من مخصصات الشؤون الاجتماعية، التي شكلت مصدرًا مهمًا لتدبير احتياجاتها.
في البداية، لم تكن مي تعرف إلى أي مؤسسة تتوجه أو كيف تسجل في برامج الدعم. حاولت الوصول إلى المساعدات عبر روابط إلكترونية، من بينها روابط كان يرسلها إليها الهلال الأحمر، قبل أن تبدأ لاحقًا بمراجعة المؤسسات بنفسها. توجهت إلى أكثر من جهة وحاولت تسجيل بناتها في برامج للمساعدة، لكنها اصطدمت في إحدى المرات بشرط يتعلق بالعمر؛ إذ أُبلغت بأن المؤسسة تستقبل الأطفال الأصغر سنًا، بينما تجاوزت بناتها السن المحدد للتسجيل.
لم تفهم مي كيف يمكن أن يصبح احتياج الطفل أقل لمجرد تجاوزه عمرًا معينًا. فبناتها، كما تقول، ما زلن يحتجن إلى الطعام والشراب والملابس ومصاريف الحياة اليومية، ولا يملكن مصدرًا مستقلًا لتأمينها. وفي الوقت نفسه، كانت تحاول معرفة مصير زوجها. راجعت جهات معنية بالمفقودين، لكنها لم تجد اسمه في القوائم أو السجلات التي تمكنت من مراجعتها. تقول مي إنها لا تزال ترجح وفاته تحت أنقاض منزل الأسرة، لكنها، رغم مرور الوقت، لا تملك دليلًا قاطعًا يسمح لها بتحويل هذا الاحتمال إلى حقيقة رسمية.
شهادة وفاة بعد عامين
تظهر تجربة منال صلاح وجهًا آخر للمشكلة. منال أم لخمسة أطفال، ظل مصير زوجها مجهولًا لفترة طويلة بعد فقدانه خلال الحرب، فيما كانت ابنتها الكبرى، التي كانت في الحادية عشرة من عمرها آنذاك، مؤهلة للاستفادة من إحدى كفالات الأيتام، بحسب ما أُبلغت به.
لكن غياب شهادة الوفاة حال دون تسجيل أطفالها، فانتظرت منال قرابة عامين حتى تمكنت من استخراجها. ومع ذلك، لم تُحل المشكلة؛ إذ كانت بعض المؤسسات قد أوقفت استقبال الطلبات، بينما وصلت أخرى إلى الحد الأقصى من أعداد الأطفال المكفولين.
تقول منال لـ"البوابة 24" إن ما يرهقها ليس فقط فقدان زوجها، وإنما طول الطريق بين إثبات وفاته والوصول إلى المساعدة. ومنذ ذلك الوقت، تتابع روابط وإعلانات المؤسسات والجمعيات بحثًا عن فرصة لأطفالها.
عامان بلا إجابة
أما أية، البالغة من العمر 32 عامًا، فما زالت عالقة في المرحلة التي سبقت ذلك كله، لا تملك حتى الآن إجابة نهائية عن مصير زوجها. فقدت أية زوجها شوقي حسام محمد الحلو في منطقة الخالدي شمالي قطاع غزة في 30 أكتوبر/تشرين الأول 2024، خلال فترة توزيع المساعدات، وفق روايتها. ومنذ ذلك اليوم، راجعت جهات مختلفة معنية بالمفقودين، وتواصلت مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر، كما لجأت إلى مؤسسة "الهموكيد" وهي مؤسسة إسرائيلية لحقوق الإنسان، لكنها لم تحصل على معلومات تحسم مصيره. وتقول إن "الهموكيد" أبلغتها بأن زوجها ليس معتقلًا، فيما أفادها الصليب الأحمر بعدم وجود معلومات لديه.
وفي محاولة لإثبات وضعه، حصلت أية من المحكمة الشرعية على وثيقة تؤكد أن زوجها في عداد المفقودين، وكانت تأمل أن تساعدها في تسجيل أطفالها ضمن برامج كفالة الأيتام. لكن المؤسسات التي راجعتها، بحسب قولها، طلبت شهادة وفاة رسمية.
أوضح لها القاضي أن إصدار الشهادة يحتاج إلى شاهدين يحلفان اليمين بأنهما شاهدا زوجها شهيدًا أو شاهدا عملية دفنه، وهو ما لم تتمكن من توفيره. تقول أية، "أنا معي ثلاثة بنات وولد، كلهم أطفال، ولم يوجد أحد يساعدني أنا وأولادي". أصبحت أية المعيلة الوحيدة لأطفالها الأربعة، من دون مصدر دخل ثابت. تبحث عن عمل وعن أي جهة يمكن أن تساعدها، بينما تعيش مع أطفالها في غرفة داخل منزل والد زوجها، وتواصل في الوقت نفسه البحث عن مصير شوقي.
عندما لا تكفي صفة "مفقود"
تكشف الحالات الثلاث عن مشكلة تتجاوز فقدان الأب نفسه. ففي حالة مي، لا يزال الزوج مفقودًا من دون وثيقة تثبت وفاته. وفي حالة منال، احتاجت الأسرة إلى قرابة عامين للحصول على شهادة الوفاة، ثم اصطدمت بمحدودية برامج الكفالة. أما أية، فتحمل وثيقة تثبت حالة الفقدان، لكنها تقول إنها لم تكن كافية لتسجيل أطفالها في برامج الكفالة.
وهكذا ينتقل أثر الفقدان من البحث عن المصير إلى تفاصيل الحياة اليومية، دخل انقطع، وأطفال يحتاجون إلى الرعاية، وإجراءات إدارية تتوقف على وثائق قد يتعذر الحصول عليها في ظروف الحرب. بالنسبة إلى الأم، قد يكون الفرق بين "مفقود" و"متوفى" فرقًا قانونيًا وإداريًا، لكنه لا يغيّر حقيقة أن الأب غائب وأن مصدر الدخل الذي كان يوفره غائب معه.
ماذا تفعل وزارة التنمية؟
من جانبها، توضح المتحدثة باسم وزارة التنمية الاجتماعية في غزة، عزيزة الكحلوت، أن الوزارة توفر لأسر المفقودين الحماية الاجتماعية والمساعدات وفق درجة احتياج كل أسرة، إلى جانب الدعم النفسي والاجتماعي.
وتقول الكحلوت لـ"البوابة 24" إن الوزارة صرفت مساعدة مالية بقيمة 500 شيكل لأسر المفقودين، للزوجة إذا كان المفقود متزوجًا، أو لوالديه إذا كان أعزب، مؤكدة أن هذه الأسر مشمولة ضمن منظومة تحديث بيانات المواطنين وتستفيد من خدمات الوزارة وفق المعايير المعتمدة.
كما يُدرج أبناء المفقودين ضمن برامج الدعم النفسي والاجتماعي والبرامج المخصصة للأطفال. لكنها تشير إلى أن بعض الأسر لا تحسم مصير المفقود، أملًا في بقائه على قيد الحياة، ما قد يؤخر تسجيله ضمن حالات الشهداء.
وبحسب الكحلوت، فإن عدم حسم المصير قد يؤثر على الوضع الإداري والقانوني للأسرة عندما تتطلب بعض الخدمات وثائق تثبت الوفاة، فيما تواصل الوزارة إدراج أفراد الأسر، خصوصًا الأطفال، في برامج المساعدات والحماية المتاحة وفق درجة الاحتياج.
نحو وضع قانوني لأسر المفقودين
وبحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، بلغ عدد المفقودين منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 نحو 11,200 شخص، وفق أحدث البيانات المتاحة حتى سبتمبر/أيلول 2026. ومع اتساع عدد الأسر التي تعيش هذا النوع من الغياب، يبرز سؤال يتجاوز الحالات الفردية، هل تستطيع منظومة الحماية الاجتماعية التعامل مع "المفقود" بوصفه حالة إنسانية وقانونية قائمة بذاتها، لا مجرد مرحلة مؤقتة تسبق شهادة الوفاة؟
يرى رئيس الهيئة الدولية لدعم الشعب الفلسطيني، صلاح عبد العاطي، أن مأساة المفقودين لا تقتصر على غياب معرفة مصيرهم، بل تمتد إلى أسرهم وأطفالهم الذين يجدون أنفسهم أمام وضع قانوني وإنساني معقد، خصوصًا عندما يتعذر إثبات ما إذا كان رب الأسرة قد استشهد أو اعتُقل أو اختفى قسرًا.
وأوضح عبد العاطي لـ"البوابة 24" أن عدم وجود شهادة وفاة لا يعني انتفاء حالة الفقدان، ولا ينبغي أن يحرم أسرة المفقود من الحماية والمساعدة. وشدد على أن حصول الأطفال على حقوقهم الأساسية يجب ألا يكون مشروطًا تلقائيًا بشهادة وفاة متى كانت حالة الفقدان مثبتة رسميًا، مؤكدًا أن الطفل لا يتحمل مسؤولية عجز السلطات عن تحديد مصير والده.
ويقترح استحداث وضع قانوني وإداري مؤقت لأسر المفقودين، يستند إلى وثيقة رسمية تثبت حالة الفقدان، بما يتيح لها الاستفادة من المساعدات النقدية والغذائية والتعليم والرعاية الصحية والسكن والدعم النفسي والاجتماعي وحماية الطفل، دون أن يعني ذلك إعلان وفاة المفقود أو ترتيب الآثار القانونية المترتبة عليها.
كما يدعو السلطة الفلسطينية ووزارتي العدل والتنمية الاجتماعية والجهات المعنية إلى التعامل مع ملف المفقودين كقضية وطنية متكاملة، وإنشاء سجل وطني موحد وإصدار شهادة رسمية تثبت حالة الفقدان، بما يضمن حقوق الأسر إلى حين حسم مصير المفقود.
وأكد أن حماية أسر المفقودين تمثل التزامًا قانونيًا وحقوقيًا، وأن الوضع الإداري للأسرة يمكن مراجعته عند العثور على المفقود أو تحديد مصيره.
في غزة، لا تنتظر هذه الأسر فقط معرفة ما إذا كان الأب حيًا أو ميتًا. إنها تنتظر أيضًا أن تعترف المؤسسات بحقيقة أبسط، أن غيابه، حتى قبل إثبات نهايته، غيّر حياة أسرته بالفعل. وكما يقول عبد العاطي: "الانتظار لا يجب أن يكون عقوبة لأبناء المفقودين".
