كيف يتوسط القرار دورة المعرفة ويحدد مسارها؟

القرار: الحلقة الغائبة بين الفهم والفعل

 

كيف يتوسط القرار دورة المعرفة ويحدد مسارها؟

 

محمد قاروط أبو رحمه

 

السؤال المركزي

إذا كان الإنسان يعرف، ويفهم، ويمتلك خبرة، فلماذا لا يتحول ذلك دائمًا إلى فعل؟

لماذا يستطيع بعض الناس اتخاذ القرار في الظروف المعقدة، بينما يبقى آخرون أسرى التحليل والتردد رغم امتلاكهم معرفة أكبر؟

المعرفة لا تنتج الفعل مباشرة

من أكثر الأوهام شيوعًا الاعتقاد أن المعرفة تقود تلقائيًا إلى الفعل.

لكن الواقع يقول غير ذلك. فبين الفهم والفعل توجد حلقة حاسمة: القرار.

فالإنسان قد يعرف الصواب ولا يفعله. وقد يفهم المشكلة جيدًا لكنه يؤجل مواجهتها.

وقد يمتلك الخبرة الكافية لكنه يتردد في لحظة الحسم. ولهذا لا تنتقل المعرفة إلى الواقع مباشرة، بل تمر عبر القرار.

أين يقع القرار في الدورة المعرفية؟

في السلسلة الأولى تطورت الدورة إلى:

المعرفة → الممارسة → المهارة → العادة → السلوك → الخبرة → الحدس الخبراتي → القرار في الميدان → التجربة → إعادة تشكيل المعرفة

لكن مع تطور النقاشات يمكن إعادة صياغتها على نحو أدق:

الانتباه → المعرفة → الفهم → القرار → الفعل → الخبرة → إعادة تشكيل المعرفة

فالقرار هو الجسر الذي يعبر عليه الفهم إلى الواقع.

القرار ليس معرفة إضافية

كثير من الناس يظنون أن نقص القرار سببه نقص المعلومات.

لذلك يستمرون في البحث والقراءة والتحليل.

لكن المشكلة في كثير من الأحيان ليست نقص المعرفة، بل غياب الحسم.

ولهذا قد يتحول طلب المعرفة المستمر إلى وسيلة لتأجيل القرار.

وهنا تظهر إحدى صور العبء المعرفي: استخدام المعرفة لتبرير عدم الفعل.

 

القرار في ظروف اللايقين

في الحياة الواقعية لا تُتخذ القرارات بعد اكتمال المعلومات.

بل تُتخذ غالبًا في ظل:

1- نقص المعلومات.

2- تضارب المعطيات.

3- ضيق الوقت.

4- احتمالات متعددة.

ولهذا فإن قيمة المعرفة لا تظهر فقط في قدرتها على تفسير الماضي، بل في قدرتها على دعم القرار في ظل اللايقين.

لماذا يختلف الناس في اتخاذ القرار؟

لأن القرار لا يعتمد على المعرفة وحدها. بل يتأثر أيضًا بـ:

1- القيم.

2- الخبرة.

3- الشجاعة.

4- تحمل المسؤولية.

5- الاستعداد لتحمل نتائج القرار.

وهنا يظهر البعد الأخلاقي مرة أخرى. فالمعرفة قد تخبرنا بما يمكن فعله.

أما القيم فتساعدنا على تحديد ما ينبغي فعله.

القرار والخبرة

الخبرة لا تمنح الإنسان معلومات أكثر فقط. بل تمنحه قدرة أفضل على اتخاذ القرار.

ولهذا فإن الخبير الحقيقي لا يتميز بكثرة ما يعرفه فقط، بل بسرعة تمييز ما هو مهم وما هو غير مهم عند لحظة الحسم.

ومن هنا يولد ما أسميناه سابقًا: الحدس الخبراتي.

وهو ليس سحرًا ولا إلهامًا غامضًا، بل معرفة طويلة أعادت الخبرة تنظيمها حتى أصبحت قادرة على دعم القرار بسرعة وكفاءة.

الذكاء الاصطناعي والقرار

يستطيع الذكاء الاصطناعي أن:

1- يجمع المعلومات.

2- يقارن البدائل.

3- يحلل الاحتمالات.

4- يقترح الخيارات.

لكنه لا يتحمل مسؤولية القرار. فالقرار في جوهره ليس عملية حسابية فقط.

بل اختيار إنساني يرتبط بالمسؤولية والقيم وتحمل النتائج.

ولهذا كلما تطورت أدوات الذكاء الاصطناعي ازدادت أهمية الإنسان في لحظة القرار لا العكس.

متى تتحول المعرفة إلى عبء؟

تتحول المعرفة إلى عبء عندما تصبح بديلًا عن القرار.

عندما يستخدم الإنسان كثرة التحليل لتأجيل الحسم.

وعندما تتحول المعرفة إلى ملجأ آمن للهروب من مسؤولية الفعل.

فالمعرفة التي لا تعبر جسر القرار تبقى معلقة بين الفهم والواقع.

الخلاصة

لا تكمن قيمة المعرفة في امتلاكها فقط، ولا حتى في فهمها فقط.

فقيمة المعرفة الحقيقية تظهر عندما تتحول إلى قرارات توجه الفعل داخل الواقع.

ولهذا يمكن صياغة قانون هذا المقال:

المعرفة تفسر الواقع، لكن القرار هو الذي يربط المعرفة بالفعل.

وفي عصر الذكاء الاصطناعي، حيث أصبح الوصول إلى المعلومات أسهل من أي وقت مضى، لن تكون الميزة الحاسمة لمن يعرف أكثر، بل لمن يستطيع أن يحول الفهم إلى قرار، والقرار إلى فعل مسؤول يخدم الإنسان.

البوابة 24