"معلّقات" في زمن الحرب.. حين يصبح "الطلاق" حلمًا مؤجلًا بغزة

صورة تعبيرية أُعدت بمساعدة الذكاء الاصطناعي
صورة تعبيرية أُعدت بمساعدة الذكاء الاصطناعي

غزة/ البوابة 24- إسلام أيمن:

"ساعتان متواصلتان من الضرب المبرح"، هكذا تصف سماهر (اسم مستعار) آخر اعتداء تعرضت له على يد زوجها، قبل أن تستغل غيابه وتهرب من المنزل. حدث هذا قبل إعلان "إسرائيل" الحرب على قطاع غزة في السابع من أكتوبر 2023م، بأشهر قليلة.

منذ الشهر الأول لزواجها قبل عشرة أعوام -تقول سماهر- بدأ العنف. "أنجبتُ ثلاثة أطفال، وحاولت أكثر من مرة إنقاذ زواجي، حتى أنني في عام 2019م سحبتُ قضية كنتُ قد رفعتها ضده بعدما وعدني بالتغيير.. لكن عبثًا".

وتضيف: "الضرب عاد، هذه المرة أمام الأطفال وأحيانًا كثيرة أمام الناس". هربت سماهر إلى غرفة استأجرتها وحدها، قبل أن تعود بناءً على وعودٍ جديدة.. عاد العنف معها أيضًا.

لجأت إلى الشرطة، ثم إلى الشرطة المجتمعية، وحاولت إقناع زوجها بالطلاق مقابل إبراء ذمته من حقوقها، لكنه رفض. عندها رفعت قضية شقاق ونزاع. وفي إحدى الجلسات، طلب زوجها فرصة جديدة للصلح، فوافق القاضي على إحالتهما إلى الإرشاد والدعم الأسري ومنحهما أربعة أيام.

تقول: "اتفقنا إنه ممنوع يمد إيده علي أو يهيني"، لكن الاتفاق لم يصمد. تزيد: "لما عدت، ضربني هذه المرة ضرب انتقام. لساعتين متواصلين. ثم عاد ليوقظني من نومي الساعة الخامسة فجرًا وحاول خنقي 4 مرات". في اليوم التالي، تقول إنه حبسها داخل المنزل ومنعها من الخروج. وعندما غاب، هربت.

اليوم، لا تطلب سماهر ذهبًا ولا نفقة، تؤكد: "أنا أنتظر فقط عودة المحاكم من أجل حصولي على الحكم الأخير من المحكمة. أريد أن أرتاح.. أنا الآن أطالب بحريتي وحسب".

في غزة، ليست الحرب وحدها من تهدم البيوت، فبعضها يبقى قائمًا فوق الأرض، بينما الحياة انتهت بداخله قبلها بسنوات. نساءٌ عالقاتٌ بين زواجٍ لا يعشنه وطلاق لا يصلن إليه.. زوجات على الورق، لكن بلا نفقة أو بيت آمن أو زوج حاضر.. بعضهن لجأن إلى الشرطة والمحاكم، فيما وجدت أخريات أنفسهن أمام خيار الخُلع والتنازل عن حقوقهن مقابل الخلاص.

باع ذهبها وسافر.. ولا تعرف عنه شيئًا

تزوّجت ريم (اسم مستعار) تزوجت عام 2021م. وبعد شهر واحد، اكتشفت إصابتها بسرطان الغدة الدرقية وخضعت لاستئصالها بالكامل.

تقول: "صار عندي مرض مزمن طول حياتي"، ووسط الخلافات وضيق الحال، تخبرنا أن زوجها أخذ ذهبها وباعه، ثم غادر القطاع بعدما وعدها بلم شملها.

وتضيف: "جاءت الحرب، وفقدت التواصل معه تمامًا، ولا أدري عنه شيئًا، ولا يخبرني أحد من أفراد عائلته أي معلومة.. يقولون لا نعرف".

مرت سنوات الإبادة الطويلة، ولم تسمع منه سؤاًلا عن حالها، ولا تدري إن كان يعرف أنها لم تمت بعد- تحدثنا بحسرة.

تعيش ريم (27 عامًا) اليوم مع أهلها، وتواجه مرضها من دون زوج ينفق عليها. وتزيد: "رفعتُ دعوى تفريق للغياب والضرر، لكن القضية طال انتظارها".

تزيد: "حالي واقف من 4 سنين"، مشيرةً إلى أنها لم تترك بابًا لم تطرقه. كل ما تريده أن تنتهي علاقتها بذلك الرجل الذي خذلها وسرقها في لحظةٍ آمنت أنه سيكون سندًا لها للأبد.

يهددني: لن ينفق على طفله!

وتنتظر سماح (21 عامًا) اليوم ولادتها داخل خيمة في شمال غزة. هي في الشهر السابع، لكنها لا تعرف ما إذا كانت ستعود إلى زوجها بعد الولادة، أو أنها ستبدأ حياةً أخرى لا وجود له فيها.

تقول: "الخلافات بدأت منذ حملي. طلبت الطلاق لكنه رفض خشية اضطراره لدفع النفقة والمؤخر"، مردفةً: "لا أريد رفع قضية خلع كي لا أخسر حقوقي.. وها أنا ذا، معلقة، لا متزوجة ولا مطلقة".

تضيف: "شعور صعب، لا سيما أنني على وجه ولادة. تخيلوا أنه يهددني بأنه لن ينفق على طفله أيضًا بعد أن يولد".

متى يسمي القانون المرأة "معلقة"؟

توضح المحامية الشرعية حسنة أبو سيدو لـ"البوابة 24" أن مجرد غياب الزوج لا يعني تلقائيًا أن زوجته أصبحت معلقة، إذ يجب النظر إلى مدة الغياب وسببه وآثاره، وما إذا كانت حقوق الزوجة قد تعطلت خلال تلك الفترة".

وفي غزة، يخضع هذا النوع من القضايا إلى منظومة قانونية تختلف عن المطبقة في الضفة الغربية. إذ يعد قانون حقوق العائلة الصادر بالأمر رقم (303) لسنة 1954م من القوانين المعمول بها في المحافظات الجنوبية، إلى جانب قانون الأحوال الشخصية على مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان.

وتمنح هذه المنظومة المرأة أكثر من مسار لإنهاء الزواج، "ففي حالات الغياب، يتيح القانون للزوجة طلب التفريق عندما يطول غياب الزوج وتتضرر منه، بينما ينظم أيضا مسائل النفقة عن الزوج الغائب"، أما في حالة الضرر، وهي الأقرب إلى قصة سماهر -على سبيل المثال- فتتيح المادة (97) للزوجة التي تدعي أن زوجها أضر بها بما لا يستطاع معه استمرار الحياة الزوجية أن تطلب التفريق، على أن يسعى القاضي أولًا إلى الإصلاح، ثم يحيل النزاع إلى الحكمين إذا تعذر الصلح.

وتحدد المواد التالية دور الحكمين في بحث أسباب الخلاف ومحاولة الإصلاح، ولا يعني ذلك أن الخلع هو الطريق الوحيد أمام المرأة المتضررة.

تضيف أبو سيدو: "لا ينبغي أن يكون الخلع هو الحل لكل زوجة معلقة. الخلع يقوم على افتداء الزوجة نفسها مقابل عوض، بينما هناك حالات يكون سبب الانهيار هو هجر الزوج أو إضراره أو امتناعه عن حقوقها".

وتتابع: "في هذه الحالة يجب أن يكون أمامها طريق لطلب التفريق بسبب الضرر، دون أن تجبر على التنازل عن حقوقها".

وفي حال ثبت أن الإساءة من جانب الزوج، تنص أحكام الحكمين في القانون على التفريق مع احتفاظ الزوجة بحقوقها المترتبة على الزواج والطلاق.

طبقة أكثر تعقيدًا.. بسبب الحرب

قضية ريم -بالنسبة لأبو سيدو- تفتح بابًا آخر: "ماذا يحدث عندما يغيب الزوج وتتعطل حياة الزوجة؟"، ووفقًا لها، "القانون ينظم التفريق للغياب، لكن الحرب أضافت طبقة أكثر تعقيدًا إلى هذه القضايا، مع أزواج غادروا القطاع، وآخرين انقطعت أخبارهم، وصعوبة في التبليغ والوصول إلى الخصوم ومتابعة الملفات".

وتقول: "يجب أن نفرق بين الزوج الذي غادر بسبب ظروف الحرب وما زال معروف المكان ويتواصل وينفق، وبين الزوج الذي انقطع وامتنع عن النفقة. ظروف الحرب لا ينبغي أن تكون سببًا لإهدار حقوق الزوجة".

وتبرز مشكلة أخرى مع حالات المفقودين. فقانون الأحوال الشخصية رقم (61) لسنة 1976م، وهو من القوانين المطبقة في الضفة، ينص في المادة 177 على أن المفقود الذي يغلب على الظن موته يحكم بموته بعد أربع سنوات، مع خفض المدة إلى سنة إذا كان الفقد إثر كارثة أو غارة جوية أو اضطراب أمني وفوضى.

لكن تعدد القوانين المطبقة بين غزة والضفة يجعل الإحالة إلى "القانون الفلسطيني" بصيغة واحدة غير دقيقة، وهي نقطة مهمة عند تناول قضايا المعلقات في القطاع.

القانون موجود لكن الطريق إليه

تؤكد أبو سيدو أن المشكلة لا تكمن دائمًا في غياب النص. "وإنما في الفجوة بين النص والإجراء والواقع" تعقب.

ففي قصة سماهر مثلًا، يوجد مسار قانوني للتفريق بسبب الضرر. وفي قصة ريم، يوجد مسار للتعامل مع الغياب والنفقة، وفي قصة سماح، تبقى أمامها مسارات قانونية لا تقتصر على الخلع.

لكن الوصول إلى الحكم قد يصطدم بطول الإجراءات، وصعوبة التبليغ، وظروف الحرب، وتعطل المؤسسات، وبين هذه الفجوات، تبقى النساء الثلاث في أماكن مختلفة من الانتظار.

سماهر تنتظر حكمًا ينهي زواجًا تقول إنه صار خطرًا عليها، وريم تنتظر حكمًا يخرجها من أربع سنوات من التعليق، وسماح تنتظر ولادة طفلها، وهي لا تعرف إن كانت ستلد معه بداية جديدة أم ستظل عالقة في زواج لم يعد يشبه الحياة الزوجية.

البوابة 24