قد تلعب أصوات النواب العرب في الكنيست الإسرائيلي دورا في إنهاء حكم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، غير أن المعارضة التي تسعى إلى إزاحته تواجه عقبة تتمثل في تحفظ بعض أطرافها على الاستعانة بهذه الأصوات لتشكيل حكومة جديدة.
ورغم امتلاك النواب العرب فرصة للتأثير في المشهد السياسي الإسرائيلي، فإن القوى المعارضة لنتنياهو لا تزال مترددة في طلب دعمهم، على الرغم من أن أصواتهم قد تكون مؤثرة في حسم المنافسة على تشكيل الحكومة.
بعد التقدم الذي حققته الأحزاب العربية في الانتخابات، لم يعد جوهر الصراع يتمثل فقط في معرفة الحزب الذي نال العدد الأكبر من المقاعد، بل أصبح يتعلق بقدرة كل معسكر على جمع ما يكفي من المقاعد لتشكيل أغلبية برلمانية تقوده إلى الحكم.
كما أظهرت استطلاعات الخروج من انتخابات الثلاثاء حصول الأحزاب العربية على 15 مقعدا على الأقل، مقارنة بعشرة مقاعد في البرلمان المنتهية ولايته. وفي المقابل، تشير التقديرات إلى أن معسكري نتنياهو ومنافسه غادي آيزنكوت لن يتمكنا من الوصول إلى الأغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة، والمحددة بـ61 مقعدا من إجمالي 120 مقعدا في الكنيست.
وفي السياق ذاته، أظهرت النتائج الأولية لفرز الأصوات، صباح الأربعاء، تغيرا في توزيع المقاعد، إذ أشارت تقديرات استندت إلى فرز نحو نصف الأصوات إلى حصول معسكر نتنياهو على 55 مقعدا، مقابل 50 مقعدا لمعسكر آيزنكوت و15 مقعدا للأحزاب العربية، ما يجعل حسم المشهد مرهونا باستكمال الفرز والمفاوضات السياسية التي ستليه.
صعود عربي يغير الحسابات
كما شهدت الانتخابات مشاركة مرتفعة من الناخبين العرب، الذين يمثلون نحو خمس سكان إسرائيل، وسط حالة من الغضب إزاء سياسات الحكومة اليمينية، وتصاعد الجريمة والعنف في البلدات العربية، إلى جانب استمرار الحرب وتداعياتها.
وبحسب استطلاعات الخروج، حققت القائمة المشتركة وحزب "القائمة العربية الموحدة"، المعروف باسم "راعم"، مكاسب كبيرة، في نتيجة قد تمنح الأحزاب العربية تمثيلا غير مسبوق داخل الكنيست.
ولا تقتصر أهمية هذه المكاسب، بالنسبة إلى الأحزاب العربية، على زيادة عدد مقاعدها، بل تمتد إلى إمكانية توظيف ثقلها البرلماني لمنع نتنياهو وحلفائه من تشكيل حكومة جديدة.
وفي هذا الإطار، قال منصور عباس، رئيس حزب "راعم"، إن شخصيات من المعسكرين تواصلت معه، مؤكدا استعداده لمناقشة المشاركة في ترتيبات سياسية تتيح تشكيل حكومة بديلة.
من جهته، أكد يوسف جبارين، رئيس القائمة المشتركة، أن الهدف يتمثل في إنهاء حكم نتنياهو وحلفائه من اليمين المتشدد.
إلا أن تحويل هذا الموقف إلى أغلبية برلمانية يواجه عقبات سياسية كبيرة، في ظل الخلافات القائمة بشأن طبيعة الحكومة المقبلة والأطراف التي يمكن أن تشارك فيها أو تدعمها.
لماذا ترفض المعارضة أصوات العرب؟
كما تتمثل المفارقة في أن قوى المعارضة الإسرائيلية، رغم حاجتها المحتملة إلى دعم النواب العرب، لا تتفق على إشراكهم في الحكومة.
فقد تعهد عدد من قادة المعارضة خلال الحملة الانتخابية بعدم تشكيل ائتلاف يعتمد على الأحزاب العربية، خشية فقدان تأييد الناخبين الرافضين لمشاركتها في القرارات المرتبطة بالأمن القومي.
ويظهر هذا الاتجاه لدى عدد من الأحزاب التي يتزعمها سياسيون مثل نفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان، إذ تتعارض مواقفهما القومية والأمنية مع مطالب الأحزاب العربية، ما يصعّب التوصل إلى توافق معها.
وفي المقابل، يطرح رئيس الأركان الإسرائيلي السابق آيزنكوت نفسه منافسا لنتنياهو، مع تشديده على تشكيل حكومة ذات قاعدة سياسية صهيونية، ومعارضته قيام دولة فلسطينية أثناء توليه المنصب.
وتكشف هذه المواقف أن الخلاف بين المعارضة والأحزاب العربية لا يتعلق فقط بتوزيع الحقائب الوزارية، وإنما يمتد إلى قضايا الهوية الوطنية والصراع الفلسطيني الإسرائيلي والسياسات الأمنية.
وتخشى بعض أحزاب المعارضة أيضا أن يمنحها الاعتماد على النواب العرب مادة للهجوم السياسي من جانب نتنياهو، الذي حذر خلال حملته الانتخابية من تشكيل حكومة تستند إلى الأحزاب العربية.
تجربة منصور عباس
لا تعد فكرة مشاركة حزب عربي في الحكم جديدة تماما على السياسة الإسرائيلية.
وخلال عام 2021، انضم حزب "راعم"، بقيادة منصور عباس، إلى ائتلاف حكومي برئاسة نفتالي بينيت ويائير لبيد، في سابقة سياسية أتاحت لحزب عربي مستقل المشاركة في ائتلاف حاكم في إسرائيل.
وركز عباس آنذاك على مطالب تتعلق بتحسين الخدمات والبنية التحتية ومكافحة الجريمة داخل المجتمع العربي.
إلا أن هذه التجربة واجهت انتقادات من أطراف عربية وإسرائيلية، وانتهت بسقوط الحكومة عام 2022.
وخلال المرحلة الحالية، تبدو الحسابات أكثر تعقيدا، خصوصا في أعقاب حرب غزة وتصاعد الاستقطاب السياسي داخل إسرائيل.
وبالرغم من ذلك، قد تعود تجربة عام 2021 إلى الواجهة بوصفها نموذجا للتعاون البرلماني المحدود، الذي لا يتطلب اتفاق جميع الأطراف على الملفات السياسية والأمنية كافة.
هل تسقط نتنياهو من الخارج؟
لا يشترط أن تنضم الأحزاب العربية إلى الحكومة حتى يكون لها تأثير في تشكيلها، إذ يمكنها دعم حكومة بقيادة آيزنكوت من خارج الائتلاف، أو الامتناع عن التصويت في إجراءات برلمانية محددة، إذا سمحت موازين المقاعد بذلك.
لكن مثل هذه الترتيبات تتطلب تفاهمات واضحة بين الأطراف المعنية، ولا يعني مجرد الاتفاق على معارضة نتنياهو أن تشكيل حكومة بديلة أصبح أمرا مضمونا.
وتحتاج الحكومة الإسرائيلية إلى اجتياز تصويت الثقة في الكنيست، كما يعتمد استمرارها في الحكم على توافر دعم برلماني يمكّنها من إقرار الموازنة والتشريعات الأساسية.
وتزداد صعوبة هذا السيناريو بسبب الاختلافات داخل الأحزاب العربية نفسها؛ إذ يتبنى حزب "راعم" نهجا أكثر استعدادا للمشاركة في الائتلافات الحكومية، في حين تتخذ قوى داخل القائمة المشتركة مواقف أكثر تحفظا إزاء المشاركة في حكومة إسرائيلية.
فرصة لنتنياهو
قد يستفيد نتنياهو سياسيا من الخلافات داخل معسكر المعارضة، رغم تراجع قوة معسكره مقارنة بالأغلبية التي كان يتمتع بها قبل الانتخابات.
فإذا أخفق آيزنكوت في جمع أغلبية تدعم حكومته، ولم يتمكن نتنياهو بدوره من استقطاب شركاء إضافيين، فقد تدخل إسرائيل في مفاوضات مطولة، أو تتجه إلى انتخابات جديدة.
وفي هذه المرحلة، يمكن لنتنياهو مواصلة رئاسة حكومة تصريف الأعمال إلى حين تشكيل حكومة بديلة.
وبذلك، لا تمنح المقاعد العربية المعارضة طريقا مضمونا إلى السلطة، لكنها تجعل استبعاد الأحزاب العربية من حسابات تشكيل الحكومة أكثر تعقيدا.
كما تتمثل المفارقة التي أفرزتها الانتخابات في أن الأحزاب العربية قد تمتلك الأصوات اللازمة للمساعدة في إنهاء حكم نتنياهو، في الوقت الذي تتردد فيه قوى معارضة تحتاج إلى هذه الأصوات في تحويلها إلى شراكة سياسية.
