القدس: من أنوار الفكر إلى وهج الإيمان

بقلم أ‌. سامي قرّه

عندما نتأمل المدن التي أسهمت في بناء الحضارة الإنسانية، تتقدّم أثينا وروما في الطليعة كعلامتين فارقتين في مسار التاريخ البشري. فقد منحت أثينا البشرية الفلسفة، وأيقظت الوعي النقدي، وقدّمت التجربة الجريئة للديمقراطية، فيما صاغت روما منظومة القوانين، وأرست أسس الحوكمة التي ما تزال تؤطر حياة المجتمعات الحديثة. وبرغم ما رافق مسيرتهما من صراعات ونقائص، يظل إرث هاتين المدينتين شاهدًا على وضع اللبنات الأولى لمسيرة التقدّم الإنساني. وكما قال الروائي والسياسي البريطاني إدوارد بولوير لايتون: "روما سيطرت على العالم بالقوة، وأثينا أنارته بالفكر." وقد لخّص المفكر الأمريكي رالف والدو إمرسون هذه الحقيقة بقوله: "ترمز روما إلى سلطان الإمبراطورية، فيما تمثل أثينا نور الفكر." وما جسدته أثينا في الفكر، جسدته روما في الفعل، لتكوّنا معًا الأسس الفكرية والسياسية التي ما تزال تؤطر العالم المعاصر. ثمّ هناك القدس، التي أضافت إلى إرث أثينا وروما بُعدًا آخر، إذ رفدت التاريخ بالروح والمعنى، وجمعت في رمزيتها بين الأرض والسماء. في هذه المدينة يلتقي التاريخ بالإيمان، وتتداخل حضارات العصور المختلفة لتنسج معاني لا تضاهى، فتصبح القدس المدينة الثالثة في مثلث الحضارة، حيث يلتقي العقل بالإيمان، والمادة بالمعنى، لتكتمل بذلك صورة الإنسان والحضارة في رحلة البحث عن التقدّم والمعرفة. تحتل القدس مكانة بارزة في التاريخ، ليس بوصفها مهد للحياة العقلانية أو المؤسسات المدنية، بل بوصفها موطن نشأت فيه الأديان السماوية الثلاث: اليهودية، والمسيحية، والإسلام؛ المعتقدات التي ألهمت البشرية، وحوّلت الثقافات، وأعادت تشكيل مسار التاريخ. ومع ذلك، إلى جانب العطايا الروحية، حملت هذه الأديان إرثًا من الانقسام والصراع وسفك الدماء، فقد شهدت المدينة الحروب الصليبية، والجهاد الإسلامي، والمحاكمات الدّينية، وكل أشكال الاضطهاد، ليس كظواهر عرضية، بل كجزء متغلغل في صميم الصراع على الإله الواحد. على مر العصور، تهدّمت القدس وأعيد بناؤها مرارًا وتكرارًا، وفي كل مرة باسم الإيمان. وإذا كانت أثينا خالدة بأفكارها، وروما بخططها القانونية، فإن القدس خالدة بصراعاتها — صراعات لم تكن فقط من أجل الأرض، بل من أجل الحق الإلهي، لتصبح بوتقة تتصارع فيها أتباع الديانات الثلاث على السلطة والهوية والقداسة. المفارقة عظيمة: فقد دعَت أثينا إلى التساؤل والتحدّي والتشكيك، وإلى مواجهة السلطات باستخدام العقل، سواء أكانت سلطة الآلهة أم سلطة الملوك، وإلى استخدام العقل، وإلى المواجهة النقدية. كما عبّر السياسي الأثيني بريكليس في خطابه الشهير المعروف باسم "خطاب التأبين": "سوف تنبهر بنا الأجيال القادمة كما تنبهر بنا الأجيال الآن." هذه الثقة في العقل والفكر والحياة المدنية لم تُشكّل أثينا فحسب، بل أرست أسس التقاليد الفكرية الغربية. أما روما، فقد أنشأت أنظمة من شأنها أن تضع حدًا للفوضى التي كانت تعم الإمبراطورية، كما عبّر عن ذلك الكاتب فيرجيل في ملحمته الشهيرة "الإنياذة" قائلًا: "أن تحكم الأمم بقوتك، فذلك سيكون فَنِك، أيها الروماني: أن تفرض سُبُل السلام، أن ترأف بالمهزومين، وتخضع المتعجرفين." وهكذا، صاغت الحضارتان ذاتهما من خلال الفكر وأساليب الحكم، لتصبح كل منهما نموذجًا مختلفًا للقوة الفكرية والتنظيمية التي تبني عليها الإنسانية تاريخها وثقافتها. على النقيض، صاغت القدس هويتها عبر الوحي الإلهي. فإرث المدينة يكمن في النصوص المقدّسة، التي كثيرًا ما يتم تفسيرها بشكل مطلق لتبرير العنف وتقديسه. فالصليبيون الذين غزوا القدس ذبحوا الآلاف من سكانها باسم المسيح، ثمّ أعادت الجيوش المسلمة استعمار المدينة وخاضت حروبها المقدّسة باسم الإسلام، واليوم تخضع القدس للسيطرة الإسرائيلية، مع استمرار رمزيّتها الدّينية للديانات الثلاث. وهكذا، تحوّلت المدينة عبر التاريخ إلى مسرح للصراعات، حيث تلاقت القداسة والاقتتال في بوتقة واحدة، لتصبح القدس رمزًا للتوترات الجيوسياسية والتعصب الدّيني وادعاءات الملكية التي لا تقبل المساومة. تدعو الدّيانات السماوية الثلاث إلى السلام والرحمة والعدالة، ومع ذلك، فإن الواقع العملي لهذه المعتقدات كثيرًا ما أسفر عن تقديس العنف وإضفاء شرعية عليه. الحروب الصليبية، والحروب المقدّسة، والجهاد، والمحاكمات الدّينية، وكل أشكال الاضطهاد والظلم، لم تكن مجرد مصادفات تاريخية أو أحداث عارضة، بل هي وقائع متغلغلة في صميم الصراع على الإله الواحد الحقيقي. في القدس، أكثر من أي مكان آخر، سارت القداسة والدمار جنبًا إلى جنب، متحدّتين في رسم تاريخ المدينة المليء بالصراعات والتوترات. تركَت أثينا وروما للبشرية أدوات للحوار والحكم والإبداع، بينما قدمت القدس البُعد الروحي والإيمان، ومعه الاقتناع بأن خصوم هذا الإيمان ليسوا مجرد مخطئين، بل محكوم عليهم بالهلاك أيضًا. وهكذا، في حين بنت أثينا وروما جسورًا للفكر والمعرفة، بنت القدس أسوارًا من الحصرية الدّينية والمطلقية الإلهية، ليظل إرثها إرث انقسام وتوتر، يعكس جانبًا آخر من التجربة الإنسانية عبر التاريخ.

البوابة 24