بقلم: حسام الغرباوي
لم يكن ما قام به الفريق جبريل الرجوب، رئيس الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم، على منصة FIFA خلال الاجتماع الـ 76 لكونغرس الفيفا في مدينة فانكوفر الكندية، تفصيلًا عابرًا في سياق اجتماع دولي، بل لحظة مكتملة المعنى، اختُصرت فيها الرواية الفلسطينية بلغةٍ صامتة أكثر بلاغة من الخطب؛ فالامتناع عن مصافحة ممثل إسرائيل في الفيفا لم يكن سلوكًا بروتوكوليًا خارجًا عن المألوف، بل موقفًا أخلاقيًا ووطنيًا يعيد ترتيب الأولويات، حيث تتقدّم الكرامة والحقوق على المجاملة، وتعلو قيمة الإنسان على قواعد الشكل.
هذا الموقف يستمد قوته من عمقه، فهو ليس ردّة فعل آنية، بل امتداد لتراكم طويل من المعاناة التي عاشتها الرياضة الفلسطينية في ظل واقع قاسٍ؛ فعلى مدار سنوات، لم تكن الملاعب الفلسطينية محصّنة من الاستهداف الإسرائيلي، إذ طالتها الاعتداءات بشكل مباشر، فغابت مساحات التدريب، وتقلّصت فرص الاحتكاك، وتحولت البنية التحتية الرياضية إلى هدفٍ سهل في سياق أوسع يسعى لتفريغ المجتمع من عناصر صموده.
وفي مشهدٍ أكثر تعقيدًا، عانى الرياضي الفلسطيني من قيود الحركة التي عطّلت مسيرته، فلم يكن الانتقال بين مدينة وأخرى أمرًا طبيعيًا، ولا المشاركة الخارجية حقًا مضمونًا؛ " لاعبٌ ينتظر تصريحًا، وفريقٌ يتأخر عن بطولة، ومدربٌ يُحرم من مرافقة لاعبيه"؛ تفاصيل صغيرة في ظاهرها، لكنها في حقيقتها تضرب جوهر العدالة الرياضية وتُفرغ المنافسة من تكافؤها.
ولم تتوقف التحديات عند هذا الحد، بل امتدت لتطال الإنسان ذاته، حيث واجه العديد من الرياضيين الاعتقال والملاحقة، في تناقض صارخ مع القيم التي ترفعها الرياضة عالميًا؛ فبدل أن يكون اللاعب سفيرًا للسلام، وجد نفسه في مواجهة واقع يُقيّد حضوره، ويُربك مستقبله، ويُبعده عن رسالته الأساسية.
أما على المستوى القانوني، فإن القضية التي طرحها الفريق الرجوب أمام FIFA لم تكن مطلبًا سياسيًا، بل دعوة واضحة لتطبيق الأنظمة؛ فوجود أندية من المستوطنات ضمن مسابقات ينظمها الاتحاد الإسرائيلي داخل أراضٍ تعود لاتحاد آخر، يشكّل خرقًا صريحًا للوائح التي تنظم العلاقة بين الاتحادات، ويضع المؤسسة الدولية أمام اختبار حقيقي لمصداقيتها؛ هذه ليست مسألة تفسير، بل نصوص واضحة تتعلق بحماية سلامة أراضي الاتحادات ومنع التداخل غير المشروع.
ومن هنا، جاء التوجه إلى Court of Arbitration for Sport كخطوة قانونية تعكس إيمان الاتحاد الفلسطيني بمسار العدالة، لا رغبة في التصعيد؛ فحين تُستنفد القنوات الداخلية دون حسم، يصبح اللجوء إلى الأطر القضائية حقًا مشروعًا، بل ضرورة لضمان عدم تحوّل الانتهاكات إلى سوابق مقبولة.
ولم يتحدث الفريق الرجوب في كلمته أمام الكونغرس بلغة الأرقام أو النصوص فقط، بل حمل معه حكايات من الواقع: "طفلٌ حُرم من اللعب، نادٍ بلا ملعب، مجتمعٌ يبحث عن لحظة فرح في لعبةٍ يفترض أن تجمع ولا تفرّق"؛ هذه الشهادات الإنسانية منحت القضية بُعدها الحقيقي، وأخرجتها من إطار الجدل الإداري إلى فضاء المسؤولية الأخلاقية.
اللافت في هذا الموقف أنه لم يكن موجّهًا ضد أحد بقدر ما كان دفاعًا عن مبدأ؛ لم يطلب الاتحاد الفلسطيني امتيازات خاصة، ولم يسعَ لتسييس الرياضة، بل تمسّك بتطبيق القواعد على الجميع دون استثناء؛ هذه البساطة في الطرح تقابلها تعقيدات في التنفيذ، وهو ما كشف عن فجوة بين النص والممارسة داخل المنظومة الدولية.
في المحصلة، ما فعله الفريق الرجوب لم يكن تعبيرًا فرديًا، بل انعكاسًا لمزاجٍ عام داخل الأسرة الرياضية الفلسطينية، التي ترى في الرياضة جزءًا من هويتها الوطنية؛ فالملاعب هنا ليست فقط مساحات للتنافس، بل امتداد لحكاية شعب، تُعبّر عن صموده، وتُجسد حضوره، وتؤكد أن الإرادة لا تُهزم.
ختامًا، يبقى هذا الموقف علامة فارقة، لأنه أعاد التذكير بأن الرياضة، مهما بدت بعيدة عن السياسة، تظل مرتبطة بالقيم التي تحكمها؛ وعندما تُمس هذه القيم، يصبح الصمت تراجعًا، ويكون الموقف واجبًا؛ لقد قال الفريق الرجوب ما يجب أن يُقال، في المكان الذي يجب أن يُقال فيه، فكان صدى كلماته أوسع من القاعة، وأبقى من اللحظة.
